صناعة السياسة في إسرائيل (1)

تابعنا على:   15:45 2025-04-25

أمد/ يديعوت أحرونوت- يهودا شوحط: في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ضرب الإرهاب الفلسطيني عمق الدولة، وقد كنت فتاة تبلغ من العمر 18 عامًا تم تعيينها لتوها كمراسلة عسكرية في إذاعة الجيش (ﭼـالي تساهل).

كان الجيش الإسرائيلي ينفذ في الليل عمليات عسكرية في المدن الفلسطينية للقضاء على أوكار الإرهابيين. ومع مرور الأيام، تم تزويدي بإثنين من أجهزة النداء وميكروفون، تم إرسالي لمرافقة القوات في رام الله وجنين ونابلس وتغطية ساحات الهجمات الإرهابية والجنازات. أحيانًا تكون عدة جنازات متتالية في يوم واحد. لقد حاولوا تهيئتنا نفسيًّا لهذه اللحظة، التي يجب التوجه فيها إلى عائلة ثكلى، بعد فترة وجيزة من وقوع أسوأ ما في الأمر. لكن لا شيء يهيئنا، ولا يمكن أن يهيئنا، لحقيقة وقوع عدد كبير من الضحايا، والتي بالكاد يمكن إعطاء كل واحد المكان اللائق. ربما لن أعتاد أبدًا على هذا الجزء من العمل الإعلامي.

كانت هذه أول مهمة لي في الإعلام، وقد شكلت إلى حد كبير الصحفية التي أنا عليها اليوم.

حان الوقت لنقول إن عمل المراسلين في إذاعة الجيش لا يقتصر على إعداد المقالات وعلى البث المباشر، بل يشمل أيضًا "مناوبات" - مناوبات رمادية في مكتب الأخبار. يصل إلى هذه المناوبات مراسلون ذوو عيون مرهقة في الساعة 4:00 فجرًا ويساعدون في إعداد البث الذي يبدأ في 7:00 ويصل دائمًا مبكرًا جدًّا لأولئك الذين يعملون عليه.

كانت مهمتي هو اقتطاع بضع جمل من كل مقابلة في البرنامج لصالح عناوين اليوميات التي يتم بثها كل ساعة. صدق أو لا تصدق، ولكن في ذلك الوقت، في عام 2001، كنا لا نزال نعمل على البكرات والقص واللصق بشريط سيلوفان خاص. ذات صباح كنت أستمع إلى مقابلة وقطعت منها مقطعًا مدته 25 ثانية. ووضعت العجلة في سلة المقاطع الجاهزة وواصلت إلى المهمة التالية. أدركت أن المقطع تم بثه وفقًا لصراخ رئيس التحرير. خرج من الاستوديو بطريق الخطأ وبحث بجنون عن المراسلة التي قصته. اتضح أنني ارتكبت جريمة بقص مقطع طويل. أوضح المحرر- إذا كان بإمكانك تسميتها صرخات تصم الآذان- أن المستمعين عندما تكون المقاطع طويلة جدًا ينتقلون إلى محطة أخرى، أو كما يطلق عليها في عالم التلفزيون: تمرير القنوات بواسطة جهاز التحكم عن بُعد. كان هذا أول تعارفي الشخصي مع "المقطع الصوتي" - وهو مصطلح أصبح على مر السنين رمزًا لإدمان وسائل الإعلام على العناوين المثيرة على حساب الرسالة المعقدة.

عندما كنت في السادسة من عمري، انتقلت عائلتي إلى الولايات المتحدة. شغل والدي ألون منصب القنصل العام في أتلانتا وانتقلت من "عاصمة إسرائيل " القدس إلى عاصمة الجنوب الأمريكي. أتذكر نفسي وأنا أقف مفتونةً عند مدخل فرع ماكدونالدز الضخم الذي يشبه مدينة الملاهي. كان الذهاب إلى مطعم في البلاد، في أواخر الثمانينيات، دلالاً مخصصًا لأيام السبت أو المناسبات الخاصة، بينما كان في أتلانتا شأناً يومياً. وجبة كاملة بأقل من دولار. كانت ثورة الوجبات السريعة متاحة ولذيذة وتستحق كل قرش. في ذلك الوقت لم يعرف أحد كم تضر الأطعمة المصنعة بالصحة.

عندما أنظر إلى وسائل الإعلام، أتذكر صورة البروفيسور كال نيوبورت، الباحث في العصر الرقمي، عن ثورة استهلاك الغذاء. بعد سنوات استهلكت فيها وسائل إعلام سريعة وسهلة الفهم، أراد الجمهور شيئًا إضافيًّا آخر. ليس بدلاً من الوجبة السريعة بل إضافة إليها، إلى جانبها. شيء أبطأ وأكثر عقلانية يغذي الفضول الطبيعي.

حتى اليوم هناك الكثير ممن لا يتخلون عن موجز الأخبار والتحديثات في النشرات، ولكن في عصر المعلومات هذا لا يكفي. بطبيعة الحال، لا تستطيع الصحافة اليومية الانخراط في العمق في مختلف المواضيع التي على جدول الأعمال. يبلغ متوسط ​​نشرة الأخبار حوالي 50 دقيقة صافية، وما لا يقل عن 15 مجال تغطية حدث فيها شيء مهم - الأمن والسياسة والاقتصاد والشرطة والقانون والتعليم والرياضة والثقافة وغير ذلك، وذلك قبل أن نقول كلمة واحدة عن الأحداث العملاقة مثل وباء عالمي. في دقيقتين أو ثلاث دقائق من الممكن - ربما - تضمين الميمات الخمس المعروفة: مَنْ وما ومتى وما الداعي ومكان، ولكن لم يتبق مجال للميم السادسة - المعنى والسياق الواسع.

في السنوات الأخيرة، وجد المستهلك الإعلامي نفسه في "تكتيك الكماشة"- فمن ناحية، تقدم وسائل الإعلام القليل جدًا من المعلومات لأولئك الذين يرغبون حقًا في فهم القصة بعمق، ومن ناحية أخرى، محيط المعلومات على الشبكة يعطي أكثر بكثير. هناك حاجة إلى منصة إضافية توفر سياقًا واسعًا ومعلومات موثوقة. هكذا ولدت البودكاست (المدونة الصوتية) "صناعة السياسة".

حدث ذلك قبل خمس سنوات، أثناء تناول فنجان قهوة في أبراج عزرائيلي في تل أبيب. جلست مع ران ليفي، رئيس تحرير شبكة البودكاست "صناعة التاريخ"، ولم يكن واضحًا لكلينا ما إذا كانت هناك فرصة لذلك. اعتاد الجمهور على حقيقة أن المناقشات السياسية تحتدم في لحظة وتتحول إلى معركة صراخ في الاستوديو. لم نكن نعرف من سيكون له صبر لسماع رجل سياسي أو خبراء ينشرون فكرة إلى العمق. علاوة على ذلك، السياسة ليست تاريخًا، المجال الذي كان حتى ذلك الحين يلعب دور البطولة في تقييم استماعات البودكاست. إنها ديناميكية مثل صورة سحابة في الرادار. فقط ارفع عينيك عن الشاشة، سترى الصورة بالفعل تعمل بشكل مختلف قليلاً. من ناحية أخرى، يجب أن يكون البودكاست سريع الزوال وأن يظل ذا صلة لسنوات.

احترنا وترددنا، لكننا قررنا المضي في ذلك. بدأنا الفصول التي تعيد فحص القضايا في السياسة - مثل لماذا يتحول قادة اليمين إلى اليسار؟ هل تم بالفعل إفساد السياسة على مر السنين؟ وما سر قوة جماعات الضغط؟ - قمنا تدريجياً بتفكيك القضايا السياسية المشتعلة التي تهم المجتمع الإسرائيلي إلى عوامل، من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وحتى قضايا الدين والدولة. درسنا أيضًا القضايا الأساسية التي لا تتأخر عادة في وسائل الإعلام، مثل كيفية اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء المصغر (الكابينيت)، وكيفية إجراء الاقتراع، ولماذا يعتبر قانون التجنيد خدعة كبيرة. إن ما يميز "صناعة السياسة" هو أنك تبدأ من الصفر، بحيث يكون الجميع في نفس الصفحة، ومن هناك نبني برج المعرفة. يخلق الكل صورة معكوسة للسياسة الإسرائيلية في بداية العقد الثالث من الألفية.

كان البودكاست مجرد همس شفوي ثن نما بوتيرة مذهلة. في أقل من عام ونصف وصلنا إلى مليون مستمع إجمالاً، ومنذ ذلك الحين تضاعف هذا الرقم عدة مرات. اليوم كل حلقة يتم عرضها لديها عشرات الآلاف من المستمعين، وأكثر أو أقل عدد مشاهدات العناوين الرئيسية على أحد مواقع الإنترنيت الرائدة. من الناحية العددية، أصبحنا وسيلة إعلامية بانتشار وطني ونحن لم نعد  الوحيدين.

جميع وسائل الإعلام الرائدة في البلاد تقريبًا لها اليوم قسم للبودكاست يوفر سياقًا واسعًا للعمل الصحفي. أصبح الـ "slow food " الغذاء البطيء لوسائل الإعلام منتجًا استهلاكيًا جماعيًا.

طوال هذه الرحلة تأثرت عدة مرات. مرة بسبب الشاب الحريدي المتزمت الذي أخبرني أنه لم يكن  يعرف شيئًا عن المنظومة العامة إلى أن تعرف على البودكاست؛ ومرة بسبب الجندي الذي اقترب مني وقال إنه ما كان لينجو من الحراسة بدون حلقاتنا؛ ومرة بسبب معلمة التربية الوطنية التي أخبرتني أن البودكاست يجعل الطلاب مهتمين بالسياسة. والحقيقة هي أنه يجبرني أيضًا على التعلم المستمر وعدم الانغماس في عناوين الأخبار التي تتحدث عن "هنا والآن". مرة كل أسبوعين، أحصل على موضوع، وأدرسه من جميع الاتجاهات، وأخيراً أجلس لاختبار صعب جدًّا - ملاحظات المستمعين.

بعد ما يقرب من أربع سنوات في الهواء، بدأنا نرى أن النقاط تتصل. في كل مرة كنا نعود فيها إلى موضوع معين ونتعمق فيه، تنكشف طبقة أخرى من المعرفة بكنوز جديدة ورائعة. وجدنا مناقشات تلامس بعضها البعض، تكمل بعضها البعض وتخلق مساحة أوسع. يقدم الكتاب الذي أمامكم لمحة عامة عن السياسة الإسرائيلية. فهو يجمع 110 حلقات بودكاست تم بثها في أفكار رئيسية ويضيف رؤى جديدة إليها.

ينقسم الكتاب إلى أربعة أقسام: يتناول أولها الموضوع السياسي ويركز على الاتجاهات الجديدة لفكر اليمين واليسار والوسط والفلسطينيين. في القسم الثاني سنتعرف بشكل أعمق على السياسة العربية والسياسة الحريدية المتزمتة ونركز على القضايا المتفجرة التي تهمهم. القسم الثالث مكرس للتغيرات التكتونية التي مرت بها السياسة في عصر المعلومات وشبكات التواصل الاجتماعية. أما القسم الرابع فيتعلق بالسياسة نفسها - كيف تجري عملياً، بدءًا من الاستطلاعات والحملات وانتهاءً باللجنة الوزارية للتشريع ومجلس الوزراء المصغر (الكابينيت).

من وجهة نظري، الكتاب هو دليل الحيارى للعالم السياسي كما يدار من خلف الكواليس - نوع من زيارة الممرات التي تسمح بإلقاء نظرة على الغرف المغلقة التي تدار من داخلها حياتنا. آمل بصدق أن يتمكن الكتاب من صقل القضايا الأساسية التي تؤثر على كل واحد منا كمواطنين في الدولة وأن يساهم في تفكيك الألغام التي هي في صميم الخطاب الإسرائيلي. إنه مخصص لمئات الآلاف من مستمعي "صناعة السياسة" - مجتمع ضخم وشغوف للمعرفة يتكون من أناس يهتمون ويفهمون أن القرارات المصيرية يجب أن تُتخذ معًا، بناءً على المعلومات والإلمام الحقيقي بجميع فئات المجتمع.

الباب الأول

الصراع الإسرائيلي العربي

مقدمة

يقال إن الوضع كان سعيدًا هنا قبل ولادتي،

وكان كل شيء رائعًا حتى وصلت.

حارس عبري على حصان أبيض، في ليلة سوداء

على ضفاف بحيرة طبريا كان ترومبلدور بطل

تل أبيب الصغيرة، الرمال الحمراء، بياليك واحد شجرتا جميز، أناس جميلون ممتلئون أحلامًا

وأتينا إلى البلاد لنبني ونبنى

لأن هذه الأرض لنا ولنا ولنا.[1]

أقسم يوناثان جيفن أنه كان سعيدًا هنا قبل أن نولد. لست مقتنعةً، لكن هناك شيء واحد مؤكد - كان أبسط، على الأقل من الناحية السياسية. أيد اليسار حل الدولتين وعارضه اليمين بشدة. ولكن في ذلك الوقت صاغ زعيم من اليسار تعبيرًا التهم الأوراق. قال رئيس الوزراء آنذاك إيهود باراك "يبدو أنه لا يوجد شريك"، وذلك بعد انتهاء جولة المحادثات في كامب ديفيد دون نتائج، وقبل جولة أخرى من العنف أثارت حماستنا. حقيقة أن رئيس وزراء من اليسار- الذي قطع شوطًا طويلاً تجاه الفلسطينيين-  قرر ذلك بشكل حاسم، هذه الحقيقة قد أرسلت كلا الجانبين للقيام بمراجعة الذات.

إلى حد كبير، توقف بعض من اليمين واليسار عن محاربة بعضهم البعض وتحولوا إلى الداخل. داخل كل جانب، تم تشكيل أفكار مختلفة تمامًا حول كيفية الخروج من التشابك. فبدلاً من خريطة سياسية ثنائية التفرع، مكونة من أبيض وأسود، تم إنشاء العديد من الجزر الرمادية. تبدأ المراجعة التي أمامكم من اليمين الأيديولوجي وتنتهي عند اليسار الأيديولوجي، مما يسمح باكتشاف مدى التشابه الموجود عند الأطراف.

كما أن الفلسطينيين شهدوا تغيرات رائعة في السنوات الأخيرة. الجدل الداخلي في إسرائيل مستمر منذ سنوات بينما يصم آذانه عما يحدث في السلطة الفلسطينية. النظام السياسي ممزق بشأن مسألة أي دواء سيكون أكثر فاعلية في التعامل مع الصراع، لكنه نسى فحص ما يحدث على الجانب الآخر. بينما كنا نتجادل، ظهرت أفكار جديدة ليست ببعيد من هنا، وهي جديرة على الأقل بالتعرف عليها.

على الرغم من محاولات كنس الصراع تحت البساط، فإنه حتى عام 2022 لا تزال السياسة الإسرائيلية تجري في ظل هذه المحاولات. هذه معركة طبيعية حول وجهات النظر وحول القيم وحول الطريقة التي يرى بها الجميع دولة إسرائيل عقودًا مقبلة.

الفصل الأول

لا لأوسلو - ولكن ماذا نعم؟

بدأت ذلك باجتماع صغير مع صديق، كما تقول سارة هعتسني- كوهين، رئيسة حركة إسرائيل شلي، التي أسسها نفتالي بينيت وأيليت شاكيد في عام 2010 بهدف إملاء جدول أعمال يميني على الدولة. وخلص الصديق إلى استنتاج بأن الانسحاب من جانب واحد أمر خطير لكنه اعترف بأنه ليس لديه حل آخر. "هل لديكِ؟ " سأل بشكل واقعي. "بدأت أتلعثم"، تعترف هعتسني- كوهين. "طلبت وقتًا للتفكير في الأمر. " وهكذا بدأت حملة أيديولوجية سعت من خلالها إلى دراسة ماهية الرؤية المعاصرة لليمين في حل الصراع. تقول: "لقد رفضنا الكثير وقلنا لا لفترة كافية، والآن حان الوقت لنقول ما هو نعم.[2]

 اكتشفت هعتسني- كوهين أن الكثيرين في اليمين لديهم برنامجًا مفصلًا يحدد رؤية سياسية لخمسين أو مائة عام أخرى، وأن كل برنامج مختلف تماما عن البرامج الأخرى. في الواقع، المسافة بين البرامج المختلفة في اليمين أكبر بكثير من الفجوة بين برامج اليمين المعتدل وبرامج اليسار المعتدل.

بالفعل في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أدرك زعماء في اليمين الحاجة إلى استبدال القرص المرن وتقديم برنامج سياسي واضح. كان الهدف هو تحدي اليسار، لكن لا يقل أهمية عن ذلك - فرض واقع على الأرض مع الفلسطينيين. حسب رأيهم، إذا كانت إسرائيل مصممة وتقف وراء برنامج يخدمها، فسيتعين على الطرف الآخر أن يقبل الوضع. في أوائل عام 2003، اقترح بني ألون - الذي كان وزير السياحة من طرف الاتحاد الوطني ورئيس حزب موليديت لاحقًا - مخططًا إقليميًا للسلام، حيث اقترح حل النزاع عن طريق اعتبار الأردن دولة الوطن الفلسطيني، التي من شأنها منح الجنسية لعرب يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، ومع مر السنين حدَّث ألون برنامجه، والذي تضمن أيضا الضم، وفي عام 2007 أطلق حملة للترويج له تحت عنوان "المبادرة الإسرائيلية - ما هو جيد لإسرائيل". أجزاء فقط من المبادرة لاقت قبولاً في اليمين، لكن نجاحها الكبير كان في تغيير المواقف: من الرد على مبادرات اليسار - إلى مبادرة سياسية يمينية. من الدفاع – إلى الهجوم."

الحل الذي بدأ يكتسب زخماً بين اليمين الأيديولوجي في السنوات الأخيرة هو فرض السيادة، الضم، "هعتسني - كوهين تبدأ وتقول". ولكن هنا أيضًا، توجد طرق مختلفة، حيث في أقصى اليمين يوجد نموذج الضم الكامل. هذا في الواقع "حل الدولة الواحدة" بحسبه إسرائيل تسيطر على جميع الأراضي، ويمسح الخط الأخضر، ويعيش جميع السكان بين الأردن والبحر في نفس الدولة. وفقًا لهذا النهج، ستكون رام الله والخليل وجنين ونابلس - كلها مدنًا إسرائيلية تحت الحكم الإسرائيلي، تمامًا مثل تل أبيب والخضيرة.

أحد رواد هذا النهج، الصحفي أوري إليتسور، الذي كان رئيس تحرير صحيفة مكور ريشون، حيث روج لنموذج الضم الكامل مع الحقوق للفلسطينيين منذ أواخر التسعينيات. وأعرب عن اعتقاده أنه من الممكن ضم المنطقة بأكملها والوصول إلى توازن ديموغرافي معقول. في رؤيته، كان من المفترض أن يكون الفلسطينيون أقلية عربية كبيرة داخل إسرائيل، لكنه كان يأمل أنه بفضل الهجرة الكبيرة إلى البلاد، سيكونون حوالي 25 في المائة فقط من السكان.

عضو الكنيست بتسلال سموتريتش، الذي بدأ حياته السياسية في الاتحاد الوطني وهو اليوم رئيس الحزب الديني الصهيوني، هو أحد رواد هذا النهج، ولكن على عكس إليتسور، لا يتمتع الفلسطينيون بحقوق مدنية كاملة. في نهاية عام 2017 أطلق برنامج الحسم. "العقلانية " قال ألبرت أينشتاين، هي أن تفعل الشيء نفسه مرارًا وتكرارًا وتتوقع نتائج مختلفة " "اقتباسات سموتريتش. "لقد جربنا موقف اليسار مرارا وتكرارا، والآن حان الوقت لتجربة شيء مختلف". "افتراض عمله هو أن شعبين لهما طموحات قومية متناقضة لا يمكن التعايش معًا في هذه القطعة الصغيرة من الأرض. فمن جانب سيتعين عليه التخلي عن طموحاته القومية، وواضح له أن هذا هو الجانب الفلسطيني.

إذن كيف نحقق الحسم؟ في برنامج سموتريتش، تفرض إسرائيل السيادة على جميع أراضي الضفة الغربية (C و B وA) وتقيم العديد من المستوطنات اليهودية الجديدة في قلب المنطقة. هذه هي الطريقة التي يتم بها "كي الوعي"، والذي بموجبه لن يتم إنشاء دولة فلسطينية. يقول سموتريتش: "ليس اليأس هو الذي يقود إلى الإرهاب"، "بل الأمل". سيعيش الفلسطينيون حياتهم بواسطة الكانتونات ومدن مستقلة، حيث يمكنهم أيضًا أن يَنتخبوا وأن يُنتخبوا. إذا كان هذا يبدو مألوفًا لكم، فأنتم لستم مخطئين. استلهم سموتريتش من خطة الإمارات الفلسطينية للمستشرق دكتور موتي كيدار، والتي بموجبها سيُقام في أراضي السلطة الفلسطينية اتحاد يضم ثماني مدن. لدى سموتريتش، يدور الحديث حول ستة أقاليم - أريحا ورام الله ونابلس وجنين والخليل وبيت لحم - ستدار بشكل مستقل، باستثناء القضايا الخارجية والأمنية. سيحصل سكان هذه المدن على الحقوق التي يتمتع بها المواطنون الإسرائيليون، باستثناء حق التصويت في البرلمان الإسرائيلي. يمكن للفلسطينيين غير الراضين عن هذا الترتيب الهجرة، وستعمل إسرائيل على تشجيع ذلك. في حالات المقاومة العنيفة، يدخل الجيش الإسرائيلي في الصورة.

يرفض سموتريتش الادعاءات بأن خطته تحول الفلسطينيين إلى مواطنين من الدرجة الثانية وإسرائيل إلى دولة فصل عنصري.

يدور الحديث حول واقع غير كامل من حيث الحقوق المدنية، لكنه بالتأكيد معقول في ظل الظروف المعقدة للشرق الأوسط، وهو الوحيد الذي يضمن إسرائيل كدولة يهودية. على المدى الطويل، من الممكن السعي لتحقيق تسوية إقليمية واسعة مع الأردن، والتي في إطارها سيتمكن عرب الضفة الغربية من التصويت لمجلس النواب الأردني، أو النظر في مشاركة فلسطينيين في القرارات المدنية الإسرائيلية - خلافا للقرارات الوطنية".

يشير سموتريتش إلى أنه حتى في برامج اليمين الأخرى، لا يحصل الفلسطينيون على دولة مثل كل الدول، فهي دولة منزوعة السلاح. لديه هم مطالبون بالتنازل أيضًا عن حق التصويت في البرلمان، بالإضافة إلى الحق في العيش في دولة ذات سيادة قادرة تدافع عن نفسها.

وكذلك عضو الكنيست السابق موشيه فيجلين، رئيس حزب زهوت والذي كان رئيس شعبة القيادة اليهودية في الليكود، يطرح مبادئ مماثلة، إلا أن في رؤيته جيش الدفاع الإسرائيلي يستعيد كل الضفة الغربية ويؤسس هناك نظامًا عسكريًّا. عند فيجلين، إسرائيل ستكون مسؤولة عن الأمن والأمان، لكن البقية - من التعليم وحتى إزالة القمامة - سيفعلون ذلك بأنفسهم. إنه يقدم للسكان ثلاثة خيارات: كل من يوافق على الخدمة في جيش الدفاع الإسرائيلي سيحصل على الجنسية؛ ومن يعلن الولاء لإسرائيل سيكون مواطنًا دائمًا بدون جنسية؛ بينما سيتمكن الآخرون من الهجرة. في تقديره، في غضون عشرة إلى 15 عامًا ستكون إسرائيل قادرة على تقليص عدد الفلسطينيين في الضفة الغربية بأكثر من 50٪."

 "عندما أتحدث عن تشجيع الهجرة، تجد الناس مصدومين"، - تعترف هعتسني كوهين -، "لكن في الحقيقة هذا هو نموذج الإخلاء مقابل التعويض".

هناك العديد من الأشخاص الذين سيكونون سعداء بقبول الأموال والمغادرة إلى الدول المتطورة مثل كندا، لكن اليوم الدول الغربية ليست متحمسة لاستقبال اللاجئين والمهاجرين. وهنا أيضًا، من حولنا، لا أحد ينتظر الفلسطينيين بأذرع مفتوحة. الأردن، مثل إسرائيل، تعارض بشدة منح الفلسطينيين حق التصويت، لأن ذلك يعني تغييرًا جذريًّا في ميزان القوى في المملكة.

برنامج فيجلين، على عكس البرامج الأخرى، يشمل أيضًا استعادة السيطرة على قطاع غزة. "غزة مدينة ساحلية عبرية في أرض إسرائيل، تمامًا مثل يافا، مع تاريخ يهودي مستمر من شمشون الجبار وحتى ثورة البراق. هو يقول، عندما أذكر أن هناك مليوني فلسطيني وأريد أن أعرف ماذا سيفعل بهم، فيجيب، "نفس نموذج الضفة الغربية - ندخل ونحتل ونخلق السيطرة الأمنية. ونجبر أهل غزة على المغادرة إلى أماكن أخرى، كل شهر يهرب الناس من هناك في قوارب، نقدم لهم خيار القيام بذلك بطريقة منظمة".

خطة الاحتلال الكامل للقطاع هي على هامش اليمين، وكذلك هعتسني - كوهين تعتقد أن فيجلين يذهب بعيداً جدًّا. "الجمهور الإسرائيلي لا يريد العودة إلى غزة" هكذا تحلل " القيادة تعكس نفس العقلية. ما يهم الجمهور الإسرائيلي بغزة هو الأمن فقط في الوقت الراهن، ما إذا القيادة تعرف كيف تضمن الهدوء أم لا".

من ناحية أخرى، أصبح نموذج السيادة الجزئية على الضفة الغربية جزءًا لا يتجزأ من أجندة اليمين. رائد البرنامج، في شكله الحالي، كان بينيت. هعتسني - كوهين لا تزال تتذكر كيف أنها عندما كانت طالبة تلقت منه في البريد كتيبًا عن برنامج الضم ومقاطع الفيديو الفيروسية التي أثارت الصهيونية الدينية. كرس بينيت سنوات من حياته لغرس البرنامج في الوعي وفعل ذلك بدرجة كبيرة من النجاح. قبل عقد من توليه منصب رئيس الوزراء، نشر برنامج التهدئة - الذي أساسه تطبيق السيادة على منطقة C ومنح حكمًا ذاتيًا موسعًا في المناطق A و B، وتشكل منطقة C 60 في المائة من أراضي الضفة الغربية، وخطط بينيت لمنح جميع الفلسطينيين الذين يعيشون هناك(80.000 شخص)، المواطنة الكاملة. كان الأساس المنطقي هو حد أقصى من الأراضي مع الحد الأدنى من الفلسطينيين، مع الحفاظ على حقوق أولئك الذين تم ضمهم. بالنسبة للمنطقتين A و B، أوضح بينيت سابقًا أنه يقصد حكمًا ذاتيًّا "على السترويدات "، حيث سيجري الفلسطينيون انتخابات مستقلة لبرلمانهم، ويديرون نظام التعليم والرعاية الاجتماعية بشكل مستقل، ويصدرون تصاريح البناء، ويتمتعون بحرية التنقل داخل الأرض.

لكن لن يكون لديهم جيش وسيُمنعون من قبول لاجئين من الدول العربية حتى لا يخل بالتوازن الديموغرافي في المنطقة. أصبح برنامج بينيت نقطة مرجعية للعديد من البرامج التي جاءت بعده. على سبيل المثال، اقترح يوعاز هندل، وزير الاتصالات لاحقًا في حكومة بينيت لابيد، نموذجًا مشابهًا عندما كان كاتبًا للدعاية، لكن معه يقترب الفلسطينيون من دولة صغيرة: سيتم ضم 30٪ من الأراضي لإسرائيل. (الكتل الاستيطانية ووادي الأردن) مقابل رفع مكانة السلطة الفلسطينية وإنشاء تسلسل إقليمي على أراضي A و B، والتي ستحددها السلطة كما ترغب - تمديد الحكم الذاتي أو دولة منزوعة السلاح داخل حدود مؤقتة. بالنسبة لـهندل، هذا الكيان يمكن أن يسمى أيضًا بالإمبراطورية الفلسطينية، طالما أن إسرائيل قادرة على العمل فيه عندما تكون هناك حاجة أمنية. برنامج هندل أيضا به مساحة كبيرة متبقية  في موضع خلاف، حيث يتم الحفاظ على الوضع الراهن.

برامج الضم المختلفة لها مكونات مشابه، لكن الفرق بين خطة الدولة الواحدة وأنصار الضم هائل من الناحية العملية. أولاً: تختلف البرامج في طريقة معالجتها للصعوبات التي تنشأ عن الضم، وقبل كل شيء، المسألة الديموغرافية - كيفية ضمان عدم وجود أغلبية فلسطينية في الدولة المتحدة عندما ينضم عرب إسرائيليون إلى سكان المناطق. بعد كل شيء، الخوف أنه بمجرد أن يشكل الفلسطينيون الأغلبية، وربما حتى قبل ذلك، فإنهم سيمارسون ضغوطًا دولية على إسرائيل وسيُطالبون بحق التصويت في الدولة المتحدة (شخص واحد - صوت واحد). في 26 مارس 2018 فاجأ نائب رئيس الإدارة المدنية، والعقيد أوري مينديس، أعضاء لجنة الشؤون الخارجية والأمن التابعة للكنيست، عندما عرض معطيات تفيد بوجود مساواة ديمغرافية بين العرب واليهود بين الأردن والبحر. استند مينديس إلى التعداد السكاني لجهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، والذي أفاد أن 4.7 مليون فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة. بالإضافة إلى المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يبلغ عددهم 1.8 مليون نسمة، وهنا يوجد تعادل،  6.5 مليون يهودي مقابل نفس العدد من الفلسطينيين.[3]

وقد تم تحدي هذه الأرقام في السنوات الأخيرة من قبل عناصر يمينية. يورام إيتنغر، رجل أعمال ودبلوماسي سابق وعضو في الفريق الذي فحص الوضع الديموغرافي في الضفة الغربية، يزعم أن هناك عددًا أقل بكثير من الفلسطينيين - 1.5 مليون على الأكثر. هذا كما هو مذكور في حين أن العدد حسب معطيات السلطة يقارب الضعف – 2,881,000 مليون شخص! يعتقد إيتنجر أيضا أنه يجب إخراج غزة من اللعبة لأنه لا توجد نية جادة لضمها. على أي حال، حتى في النسخة المبسطة، من الواضح أن ضم 1.5 مليون فلسطيني سيغير التوازن الديموغرافي في البلاد، ناهيك عن ميزان القوى السياسية، إذا أعطوا حق التصويت.

يوصي مؤيدو الضم الكامل بالتطلع إلى الأمام وهم مقتنعون بأن الأرقام في صالحهم: في عام 2018، حدث انقلاب في بيانات المواليد في إسرائيل. ارتفع معدل الخصوبة في المجتمع اليهودي إلى 3.05 طفل وانخفض معدل الخصوبة في المجتمع العربي إلى 3.04. وعلى الرغم من استمرار هذا الاتجاه في السنوات الأخيرة، في ترجيح العقد بأكمله، لا تزال المرأة العربية تتصدر، 3.12 طفل مقابل 2.99 طفل لكل امرأة يهودية في المتوسط. الاتجاه واضح في السلطة الفلسطينية أيضا - بينما كانت المرأة فلسطينية في الستينيات تنجب تسعة أطفال في المتوسط، وفي عام 2021 انخفض العدد إلى 3.02 فقط.[4] هذا بالطبع له مدلول كبير- لأن مؤيدي الضم يقدرون أن الولادة ستستمر في مصلحتهم، فهم يعتقدون أنهم يستطيعون الحفاظ على الوضع الذي فيه بمرور الوقت سيكون الفلسطينيون الذين سيتم ضمهم أقلية بدون حق التصويت. أنصار الضم الجزئي مقابل ذلك، يفضلون إرفاق رقم مقدمًا يمكنهم التعامل معه ويدعمون منح حق التصويت للفلسطينيين الذين سيتم ضمهم. الفرق بين الضم الكامل والضم الجزئي كبير جدًا، لإنه لأمر مدهش أن نعتقد أن بينيت وسموتريتش ترشحا للكنيست في نفس الحزب.

ثمة بالطبع أيضا المسألة القانونية - وفقا للقانون الدولي، في حالة الأراضي المحتلة، السيادة يجب أن تكون لجيش الدولة المحتلة وليس للدولة نفسها. هذا هو السبب الذي بسببه فورًا بعد حرب الأيام الستة عام 1967، وزع الجيش الإسرائيلي منشورات عسكرية التي نظمت الحياة في الضفة الغربية. في الواقع، منذ ذلك الحين، وحتى اليوم تسيطر إسرائيل على الأراضي المحتلة بأوامر لواء في الجيش، ولا يمكن للكنيست أن تسن القوانين بشكل مباشر للشعب الفلسطيني. الهدف هو أن البرلمان لن يتخذ قرارات لصالح سكان لا ينتخبه، رغم أنه من الناحية العملية، جزء كبير من قوانين الدولة  تترجم إلى أوامر تنطبق في الميدان.

البروفيسور يوفال شاني خبير في القانون الدولي الذي شغل منصب عميد كلية الحقوق في الجامعة العبرية، يشرح الخلفية  القانونية. ويقول: "منذ عام 1945 لا تستطيع الدولة ضم الأراضي بالقوة، حتى لو استولت على هذه الاراضي في حرب دفاعية لم يبدأوا هم بها ".

 "أيضًا القرار 242 الذي أنهى حرب الأيام الستة وكان مقبولاً لإسرائيل، ينص أيضاً على أن دول المنطقة ستعترف بسيادة إسرائيل واستقلالها، لكن عليها أن تنسحب من أراضٍ احتلتها أثناء الحرب ". لذلك، بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن التحرك العكسي لضم المناطق هو بمثابة تجاوز خط أحمر. هذا لا يعني أنه لا توجد حالات تنتهك فيها الدول القواعد، ولكن ثمة لذلك ثمن".

يعد ضم شبه جزيرة القرم في أوائل عام 2014 مثالاً لدولة اختارت ضم الأراضي حتى على حساب معارضة المجتمع الدولي - غزت روسيا المنطقة التي كانت تابعة لأوكرانيا بعد الإطاحة بالرئيس الأوكراني الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش. وصعود المعارضة الموالية للغرب. معظم دول العالم، باستثناء سوريا والسودان وكوريا الشمالية وقليل من الدول الأخرى، لم تعترف بضم المنطقة لروسيا واعتبرتها أراضٍ أوكرانية.

أيضا عند التصويت في الأمم المتحدة، الذي أجري بعد الغزو، في 27 في مارس 2014، قررت 100 دولة أن الضم غير ساري، مقابل 11 دولة اعترفت به وامتنعت 58 دولة.

الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، قرروا فرض عقوبات اقتصادية على روسيا، لكنها ظلت ناضجة وأوضحت للعالم أن فائدة الضم تفوق التكلفة. في أوائل عام 2022 كانت روسيا هي أول دولة في أوروبا تحاول احتلال دولة أخرى ذات سيادة منذ الحرب العالمية الثانية عندما غزت أوكرانيا من عدة جبهات فجر يوم 24 فبراير - هنا أيضًا، قرر بوتين الغزو على الرغم من علمه بفرض عقوبات اقتصادية صعبة على بلاده وهو من شأنه أن يبقى شبه معزول في الساحة الدولية.

الثمن الذي لمح إليه شاني في السياق الإسرائيلي هو التحقيقات في محكمة العدل الدولية في لاهاي.

هذه محكمة جنائية تمامًا مثل تلك الموجودة هنا في البلاد، إلا أن التسويف أكبر بكثير ويستغرق الأمر سنوات عديدة حتى تصبح الملفات واضحة. على عكس محكمة العدل الدولية، التي مقرها أيضًا في لاهاي وتتولى التحكيم بين الدول، في محكمة الجنايات تتم الدعوى من قبل المدعي حيث يتصرف نيابة عن الدول الأعضاء في المحكمة، والمتهمون هم أفراد شخصيون مثل كبار الضباط والوزراء ورؤساء الدول ومن في حكمهم.

في مارس 2021 قبل لحظة من تركها لمنصبها وبعد خمس سنوات من الفحص التمهيدي قررت المدعية العامة بالمحكمة باتو بنسودا فتح تحقيق في الأحداث التي وقعت في قطاع غزة وفي الضفة الغربية اعتبارًا من 13 يونيو 2014، في اليوم التالي لاختطاف وقتل الصبية الثلاثة من قبل حماس. من المتوقع أن يتعامل التحقيق من بين أمور أخرى بالطريقة التي تعمل بها إسرائيل في المستوطنات. " أحد العوامل التي يُنظر إليها يشرح شاني هو مدى الانحراف عن المعايير الدولية "، فكلما زاد انحراف إسرائيل فإنها ستزيد من فرص الإجراءات الجنائية ضد رؤساء الدول ". تمامًا كما في التشريع الجنائي في إسرائيل - في نهاية التحقيق يتقرر ما إذا كان سيتم تقديم لائحة اتهام. لكن في لاهاي تصدر أوامر توقيف أو استدعاء بالفعل حتى في هذه المرحلة، في محاولة للتأكد على أن المتهم  سوف يمثل عند تقديم لائحة الاتهام ضده.

لا يرى سموتريتش أن هذا هو الشيء الرئيسي: "نحن لا نتجاهل العالم ونحتاج إلى إدارة حملة دبلوماسية مهنية وذكية، ولكن في نهاية المطاف يجب أن تتم على حسب ما هو جيد لنا. كما قال رئيس الوزراء الراحل مناحيم بيغن، إذا كان هناك أي شخص في العالم من يلوي أنفه - فليكن له أنف معوج... " أنصار الضم الجزئي كذلك ليسوا متحمسين للتداعيات القانونية، على الرغم من أن البرنامج الذي صاغوه من البداية أقل رديكاليًّا. عضو الكنيست ياريف لفين من الليكود ورئيس الكنيست السابق ومن المؤيدين المتحمسين لـ برنامج الضم الجزئي يرى أن على إسرائيل أن تفعل ما هو مناسب لها، وإلا فإنها ستصل إلى لاهاي وتتخلى أيضًا عن مصالحها السياسية. ومع ذلك، ليفين يعتقد أن خطوة دراماتيكية مثل الضم يجب أن تتم بالتنسيق مع الولايات المتحدة من أجل عدم تعريض تحالفات إسرائيل الاستراتيجية للخطر. وبالفعل، في يوليو 2020، بعدما اتضح أن الأمريكيين لم يعطوا الضوء الأخضر للضم، اضطرت إسرائيل أيضًا إلى الذهاب في اتجاه آخر.

حتى داخل بيت سارة هعتسني – كوهين نفسها الآراء منقسمة. جدها "إليكيم هعتسني"، أحد مؤسسي مجلس "يشاع " وعضو كنيست سابق، يدعو إلى تطبيق السيادة الكاملة على الأرض مع الحفاظ على الاستقلالية الداخلية. عمها الدعائي نداف هعتسني، يعتقد أنه يجب الإطاحة بالسلطة الفلسطينية وضم المنطقة C وفي المنطقتين A و B. يُطبق نظام عسكري يمكن أن يصبح لاحقًا حكمًا ذاتيًّا. تؤمن سارة نفسها في ضم المنطقة (C) ومنح الحكم الذاتي للفلسطينيين في المناطق التي لن يتم ضمها دون التنازل عن السيطرة الأمنية.[5]

صفقة القرن لدونالد ترامب، التي نُشرت في 28 يناير 2020، توضح حجم الفجوات الكبيرة داخل قيادة المستوطنين عندما وُضع مجلس "يشاع "  أمام معضلة تاريخية.

تضمنت الخطة جزرات ضخمة لإسرائيل: سيادة على 30٪ من أراضي الضفة الغربية بدعم أمريكي، وضم غور الأردن وشمال البحر الميت، والاعتراف بالقدس وغيرها. وبالمقابل، فإن رؤية ترامب هي حل خارج الصندوق لإقامة دولة فلسطينية - دولة على 70 في المائة من أراضي الضفة الغربية و 120 في المائة من أراضي قطاع غزة - وهذا يعني أنه بالإضافة إلى أراضي قطاع غزة سيحصل الفلسطينيون على 20 في المائة من إسرائيل من المنطقة المجاورة للقطاع في منطقة رمال متقدمة وفي مدخل نيتسانا. وهكذا، حاول الأمريكيون إقامة دولة فلسطينية في منطقة شاملة مماثلة لمنطقة الضفة الغربية وغزة قبل عام 1967، دون أن يؤدي ذلك إلى إجلاء واسع للمستوطنين. ووفقا للخطة، كان من المقرر أن يدخل الطرفان في مفاوضات لمدة أربع سنوات، سيتم خلالها تجميد البناء على أراضي الدولة الفلسطينية المستقبلية.

 

خريطة صفقة القرن لدونالد ترامب

أثارت خطة ترامب ضجة في قيادة اليمين. كان هناك من اختار أن ينظر إلى نصف الكأس الممتليء – "الضم"، بينما نظر آخرون إلى النصف الفارغ – "إقامة دولة فلسطينية". وعُقد مؤتمر لـ400 حاخام بادعاء أن الخطة هي من باب "من اضطر ....فلا إثم عليه"، ووصفها رئيس مجلس "يشاع "، ديفيد الحايني، بأنها "خارطة طريق لإقامة دولة فلسطينية ". وعارض بشدة تجميد البناء الذي طالب به الأمريكيون في فترة المفاوضات وقاد مجلس "يشاع" إلى حملة شرسة بعنوان "السيادة افعلها بشكل صحيح – Do It Right". وقد حذر رؤساء المجالس كل من كان مستعدًّا لسماع أن هذه الخطة ستنتج جيوبًا من شأنها أن تعرض المستوطنات القائمة للخطر.

مؤيدو الخطة، مع ذلك، اعتقدوا أن التاريخ الإسرائيلي القصير قد أثبت أنه في هذه المنطقة، كل من أصر على تلقي كل شيء بقي بلا شيء، بينما من كان على حق في التسوية حصل على أكثر مما خطط له. ثمانية من أصل 24 رئيسًا للمجالس التي يتألف منها مجلس "يشاع "، دعموا خطة القرن من قلوبهم ورأوا في حملة إفشالها صرخة وبكاء لأجيال قادمة. رئيس بلدية أرييل إيلي شابيرو، استقال حتى من المجلس. وجاء في مقال نشره رؤساء المجالس المؤيدة للخطة: "نحن أمام لحظة تاريخية تعترف بالسيادة الإسرائيلية في الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية.. حان دورنا الآن - نحن قادة المستوطنين - لنقول شكرًا على الموجود، لنبارك ونتبنى خطة القرن".

لكن النجاح الكبير الذي حققه برنامج الضم كان في تغلغله في التيار اليميني السائد في السنوات الأخيرة - لليكود. ولكن الطريق إلى صالة المطار قد امتلأت حتى طاقتها الاستيعابية مساء 31

من ديسمبر 2017. الإضاءة الخافتة والموسيقى الصاخبة وأجواء الحوارات الصغيرة خلقت شعورًا احتفاليًّا عشية العام الميلادي الجديد. لكن لأعضاء الليكود الـ 1500 أولئك الذين حضروا الحدث كان لديهم سبب آخر للحفل - وهو أن يدفن أخيرًا حلم حل الدولتين الذي قدمه نتنياهو في خطاب ألقاه في بار إيلان عام 2009 وتبني خطة الضم كسياسة الليكود الرسمية. لم يكن التوقيت عرضيًا أيضًا - بعد حوالي عام من انتخاب ترامب وبمناسبة احتفالات اليوبيل للاستيطان. الغرض من المؤتمر، الذي بادر به نشطاء رئيسيون لليكود في الضفة الغربية، هو دفع ترامب ونتنياهو باتجاه الضم. ألقى جميع أعضاء الكنيست من الليكود تقريبًا خطابات نارية وتطرقوا إلى الوضع الراهن من حيث اللحظة التاريخية. والذي برز في غيابه هو رئيس الحركة نتنياهو الذي لم يؤيد المؤتمر ولكن بخلاف الماضي أيضا لم يعمل على إفشاله. عندما سأل عريف الحفل من منكم مع تبني سياسة الضم  رُفعت كل الأيدي في الصالة. ولم تُرفع حتى يد واحدة ضد الخطة.

صحيح أن الأمر استغرق عامًا ونصفًا آخر، إلا أن نتنياهو تبنى أخيرًا خطة الضم كسياسة رسمية له. عشية الجولة الأولى من الانتخابات في أبريل 2019، تم إجراء مقابلات مع قادة الحزب واحدًا تلو الآخر في برنامج "قابل الصحافة" مع رينا متسليح - الحدث التلفزيوني الأقرب للصراع الموجود في البلاد اليوم، تخلى مرشحو رئاسة الوزراء عن هذه التقاليد الديمقراطية المهمة منذ فترة طويلة. حدث ذلك بعد أن هزم نتنياهو بيريس في مواجهة عام 1996، وفي مستنقع الحملات السياسية في البلاد توصلوا إلى نتيجة مفادها أن الحصان الرائد ليس أمامه إلا أن يخسر من المواجهة. في انتخابات 1999، كان باراك غائبًا بالفعل عن المواجهة الرئيسية التي جرت فقط بحضور إيتسيك مردخاي ونتنياهو.

رهان الفائز باراك أثبت نفسه، ومنذ ذلك الحين لم يوافق أي مرشح على المواجهة في إسرائيل. كما ذُكر، تمت مقابلة نتنياهو في ذلك المساء من منزله في برنامج "قابل الصحافة". تأخرت المقابلة بسبب تأخر طاقم التصوير في الفحص الأمني​​، وانزلقت إلى النشرة الرئيسية. كان المتسابقون الآخرون الذين ظهروا في الساعة السابقة غاضبين وكانوا مقتنعين بأن نتنياهو فعل ذلك عن قصد ليظهر في ساعة المشاهدة الذروة. لكن المقابلة سيتم ذكرها بسبب العنوان الذي زوده نتنياهو - قال لمتسليح إنه ينوي في فترة الولاية المقبلة أن يضم جميع المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية دون التمييز بين الكتل الاستيطانية والبؤر الاستيطانية المعزولة. على الرغم من حدوث تغيير كبير في الخط في ذلك الوقت، إلا أنه لم يترك أي انطباع لدى الجمهور بعد أن امتنع نتنياهو لمدة عقد عن الترويج للضم حتى على حساب المواجهة مع شركائه في اليمين. في الجولة الثانية من هذه الانتخابات، كانت هذه بالفعل السياسة الرسمية لليكود، وقد قام نتنياهو بتسويقها بقوة وليس فقط في الرد على أسئلة الصحفيين. قبل أسبوع من الانتخابات، في 10 سبتمبر 2019، عقد مؤتمرًا صحفيًّا في قرية المكابية وأعلن أنه ينوي ضم غور الأردن وشمال البحر الميت. تمت دعوة أعضاء الكنيست من الحزب ليكونوا إحصائيين في العرض ويهتفون للخطة، لكنها لا تزال يُنظر إليها على أنها جزء فارغ من المحتوى المصمم لجذب الناخبين من اليمين. بعد الجولة التالية، يبدو أن نتنياهو دفع رسوم الجدية - تناول أحد بنود اتفاق الائتلاف بين الليكود وحزب "أزرق أبيض" الترويج لخطة الضم وذكر أن غانتس لا يمكنه التدخل في الأمر. اتفق الطرفان على موعد يمكن من خلاله تنفيذ الضم – 1 يوليو 2020 - على أمل أن تنتهي معالجة أزمة كورونا بحلول ذلك الوقت.

المعلق السياسي باراك رافيد، مؤلف كتاب "سلام ترامب''، يذكر ثلاثة أسباب للتغيير الذي طرأ لدى نتنياهو - من معارضة الضم إلى الدعم الحماسي والعمل النشط للترويج له.[6]

السبب الأول هو المصلحة السياسية – تعلق نتنياهو باليمين المتطرف، الذي تزايد بعدما بقي منعزلاً بسبب التحقيقات ضده، والرغبة في ترك إرث مهم. السبب الثاني هو صدمته من المفاوضات الفاشلة مع الفلسطينيين بوساطة وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في الأعوام 2013-2014، والتي توصل خلالها إلى استنتاج مفاده أنه لا توجد طريقة لجسر الفجوات بين الطرفين. السبب الثالث هو فترة ولاية ترامب. أقنعه مساعد نتنياهو، رون درامر، سفير إسرائيل في الولايات المتحدة آنذاك، بأن هذه فرصة تحدث مرة واحدة في كل 100 عام لقيادة تغيير تاريخي دراماتيكي على الأرض. على حد تعبير رافيد، كانت ولاية ترامب بالنسبة لنتنياهو مثل زيارة مطعم "تناول قدر ما تستطيع" – وهو حاول أن يحمل على الطبق أكثر ما يمكن.

عمل نتنياهو على الترويج لخطة الضم مع الإدارة الأمريكية حتى أنه كان مقتنعًا بأنها ستنفذ، لكنه في لحظة الحقيقة تخلى عنها بعد أن اكتشف أن لها ثمنًا. في كلتا الحالتين، على الرغم من بقاء التصريحات الطموحة على الورق، فقد تم تسجيل التاريخ: الخطة التي تماهت في السنوات الأخيرة مع اليمين المتطرف حظيت بدعم زعيم المعسكر نتنياهو، الذي دافع على مدى عقود عن وجهة نظر مختلفة، والتي سنتناولها في الفصل التالي.

لدى اليمين، تم تطوير المزيد من الأفكار خارج الصندوق في السنوات الأخيرة، لكنها لا تزال قائمة على حافة الخطاب. إحدى المبادرات هي مبادرة العميد (احتياط) أمير أفيفي، أحد المبادرين إلى "حل الدولة الجديدة " (New State Solution)، برنامج يوفر مساحة أكبر على الطاولة. يعتقد أفيفي أن إسرائيل يجب أن تسعى جاهدة للحصول على 10٪ من شمال سيناء وترسيخ الدولة الفلسطينية هناك. وفقا لهذا الفكر، فإن الضغط لحل الصراع يجب أن ينتقل إلى مصر. لم يتم الترويج للخطة، ويرجع ذلك من بين الأمور إلى معارضة مصر الحازمة، ولكن يمكن اكتشاف خصائص متشابهة مع خطة القرن، والتي تتضمن عنصر زيادة مساحة قطاع غزة. بالنسبة لترامب، الزيادة على حساب إسرائيل ولدى أفيفي - على حساب مصر.

بعد سنوات من التأسيس التدريجي في خطاب اليمين، تلقت خطة الضم ضربتين قويتين. الأولى أوقعها عليها ترامب، الذي أوضح أنه حتى أكثر الإدارات تعاطفا لن توافق على الترويج للضم بدون التقدم نحو الدولة الفلسطينية. والضربة الثانية أوقعها عليها والدها الروحاني نفتالي بينيت - الذي أحاط بنتنياهو من اليمين طوال سنوات ولم يسمح له تشجيع حتى الحد الأدنى من الإيماءات تجاه الفلسطينيين.

تخلى بينيت عن الضم في انتخابات 2021 التي أعلن خلالها أنه يجب تنحيته جانبًا وبدلا منه الاهتمام بمكافحة وباء كورونا. وحتى عندما تم تعيينه رئيسًا للوزراء، لم يعمل في هذا الاتجاه – ليس بالأمر الهين عندما يتعلق الأمر بالشخص الأكثر ارتباطًا بالضم في العقد الماضي. بالضبط مثلما أضر باراك بشكل لا يمكن إصلاحه برؤية الدولتين في تصريحه بأنه لا يوجد شريك، تسبب بينيت أيضًا بأضرار لتطلعات الضم عندما تخلى عنه مع بلوغه أرفع مكانة. صحيح أنه غيَّر الاتجاه لأسباب سياسية ولم يذكر أبدًا أنه توقف عن الإيمان بالخطة، إلا أن الرسالة قد مرت - الخطة جميلة على الورق. والواقع أكثر تعقيدًا.

[1] من قصيدة  "قد يكون قد انتهى " كلمات: جوناثان جيفن. جميع الحقوق محفوظة © لمؤلف الأغاني ورابطة المؤلفين الملحنين والناشرين.

[2] رحلة سارة هعتسني المفاهيمية - كوهين لفا من مقالات ماكور ريشون. نُشر أولها في 29 يوليو 2016.

[3] من بيانات جهاز الإحصاء المركزي، عشية رأس السنة، سبتمبر 2017.

[4] من الموقع إلكتروني( (The World Fact Book ( People and Society تم تحديثه في ديسمبر 2021.

[5] حل عائلة هعتسني: حل السلطة وضم أراضي C. ماكور ريشون.

[6] باراك رافيد، سلام ترامب: الاتفاقات الإبراهيمية والثورة في الشرق الأوسط، كتب يديعوت، 2022..30.6.2016

كلمات دلالية

اخر الأخبار