الرحباني من غزة: أنا مش كافر بس الجوع كافر

تابعنا على:   14:24 2025-04-29

حنان شبات

أمد/ "لو كان الفقر رجلاً لقتلته"، قالها الإمام علي منذ قرون، وكأنها قيلت عن غزة اليوم، عن أطفالها الذين ينامون على بطون خاوية، وعن شيوخها الذين يودّعون الحياة ببطء تحت وطأة الجوع وسوء التغذية. في قطاع محاصر منذ أكثر من 18 عاماً، يعيش اليوم أكثر من مليوني إنسان مأساة لم يعرف لها التاريخ مثيلاً: شعب يُجوّع بالكامل، أمام كاميرات العالم، وبتواطؤ دولي مغلف بعبارات باهتة من "القلق" و"الشجب".

لأكثر من 50 يوماً، يمنع جيش الاحتلال الإسرائيلي دخول الغذاء والدواء إلى غزة. المواد الأساسية أصبحت نادرة، حتى الخبز بات من رفاهيات الحياة. آلاف الأطفال يعانون من الهزال وسوء التغذية الحاد، كبار السن يموتون بصمت، والمرضى يتساقطون واحداً تلو الآخر أمام عجز المستشفيات وانعدام الأدوية. الوضع الصحي كارثي، والمناعة الجماعية انهارت، لتتفشى الأمراض وسط ظروف معيشية لا تليق بالبشر.

في مشهد يذكّر بأفظع الجرائم ضد الإنسانية، بدأ الجيش الإسرائيلي مؤخراً بحرق آلاف الدونمات الزراعية في غزة، بذريعة الكشف عن أنفاق. وكأنّ قتل الزرع وقتل الجياع وجهان لعملة واحدة. الأرض تحترق، والناس تحترق من الداخل.

العالم يراقب. يكتب بياناته المصقولة بالإنجليزية والفرنسية والعربية، ثم يضعها في درج النسيان. لم يحدث في التاريخ أن جاع شعب بأكمله بهذا الشكل المتعمّد والمنهجي، في ظل صمت عالمي مطبق، بل تواطؤ صارخ. الضمير الإنساني مات، وما تبقّى منه ليس سوى حبر على ورق.

كما قال عبد الرحمن الأبنودي ذات مرة: "همج بتزرع حرايق في بلاد الحلم"، فغزة لم تكن يوماً سوى حلم بالحرية، بالحياة الكريمة، بالكرامة. واليوم، تحاول آلة الاحتلال خنق هذا الحلم بالموت البطيء... بالجوع.

وفي الختام، ليس أبلغ من صوت زياد الرحباني ليقول بلسان كل غزّي:

"أنا مش كافر
بس الجوع كافر
أنا مش كافر
بس المرض كافر
أنا مش كافر
بس الفقر كافر والذلّ كافر
أنا مش كافر
لكن شو بعملّك إذا اجتمعوا فيّي
كل الإشيا الكافرين"

اخر الأخبار