السقا يحذر من "فخ" المشاريع الاقتصادية: محاولة لإدارة الصراع لا حله
أمد/ رام الله: قال خبير العلاقات الدولية والاقتصاد لؤي السقا انه وفي خضم التحولات السياسية الإقليمية والدولية، تبرز بين الحين والآخر مبادرات تُقدَّم تحت عناوين اقتصادية وتنموية، لكنها تحمل في طياتها أبعادًا سياسية عميقة.
وأشار السقا انه وفي السياق الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، تندرج هذه الطروحات ضمن مسعى واضح لإعادة صياغة الوعي الفلسطيني، عبر استبدال الحقوق الوطنية بالمغريات المعيشية، وتحويل الصراع من قضية تحرر وكرامة إلى ملف اقتصادي قابل للإدارة والاحتواء.
ووضح السقا انه ومن منظور العلاقات الدولية، لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة، خصوصًا في مناطق النزاع فغزة لا تعاني من غياب المشاريع أو نقص الأفكار الاستثمارية، بل من واقع سياسي وأمني معقّد يتمثل في الحصار المستمر وغياب السيادة على الموارد والمعابر.
وشدد السقا أن أي حديث عن نهضة اقتصادية في ظل هذه الظروف يتجاهل الأساس الذي تقوم عليه التنمية الحقيقية الحرية، والاستقرار، والعدالة وعليه، فإن المشاريع التي تُطرح بمعزل عن هذه المحددات لا تعالج جذور الأزمة، بل تسعى إلى الالتفاف عليها.
وحذر السقا ان الخطورة الكبرى في هذه المقاربات تكمن في أثرها على الوعي الجمعي للمجتمع الفلسطيني. إذ يُعاد توجيه النقاش تدريجيًا من المطالبة بالحقوق السياسية والوطنية إلى التركيز على تحسين شروط الحياة اليومية، وكأن المشكلة تكمن في مستوى الخدمات لا في طبيعة الواقع المفروض لذلك ان هذا التحول إن ترسّخ قد يخلق قناعة زائفة بأن الرفاه الاقتصادي يمكن أن يكون بديلًا عن الحرية، وأن الاستقرار المعيشي إن كان هشًا—قد يُغني عن الكرامة الوطنية.
وقال السقا ان غزة ليست مجرد مساحة جغرافية قابلة لإعادة التخطيط أو الاستثمار، بل مجتمع متماسك تشكّلت هويته ووعيه عبر عقود من الصمود والمواجهة وأن أي محاولة لفصل هذا المجتمع عن قضيته المركزية، عبر إغراقه بوعود الازدهار الاقتصادي، تحمل في طياتها مخاطر تفكيك داخلي خطيرة.
وبينا السقا ان شأن هذه المشاريع أن تخلق انقسامًا بين من يراها مخرجًا من واقع إنساني قاسٍ، ومن يراها تنازلًا سياسيًا مقنّعًا، وهو ما يضعف وحدة المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات الحقيقية.
وقال السقا انه من الناحية الاقتصادية تُظهر التجارب الدولية أن الاستثمار لا ينجح في بيئات غير مستقرة سياسيًا، ولا يمكن أن يكون مستدامًا في ظل غياب الضمانات القانونية والسيادية وقد أثبت التاريخ الحديث أن محاولات شراء الاستقرار عبر المال فشلت في أكثر من ساحة نزاع، لأن التنمية لا يمكن أن تُفرض من الخارج، ولا أن تقوم على إنكار الحقوق والهوية الوطنية للشعوب.
وأشار السقا انه لا يمكن اختزال القضية الفلسطينية في أرقام وموازنات وخطط إعادة إعمار مهما بدت طموحة أو متقدمة فجوهر الصراع ليس صراع بنى تحتية أو خدمات، بل صراع وجود وحرية وكرامة وأي محاولة لإعادة صياغة الوعي الفلسطيني عبر استبدال الحقوق الوطنية بالمغريات المعيشية قد تحقق اختراقًا إعلاميًا مؤقتًا، لكنها ستفشل استراتيجيًا أمام وعي شعب يدرك أن التحرر لا يُشترى، وأن الكرامة لا تكون بندًا في أي مشروع اقتصادي.
