خطوط الصدع في القرن الأفريقي: تنافس إقليمي يهدد استقرار البحر الأحمر

تابعنا على:   22:50 2026-02-26

أمد/ حذرت دراسة بحثية حديثة صادرة عن معهد "أميركان إنتربرايز" (AEI) من تداعيات التحولات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة القرن الأفريقي، مؤكدة أن المنطقة باتت تشهد "تداخلاً خطيراً" مع معادلات الصراع في الشرق الأوسط، وهو ما يعيد صياغة طبيعة النزاعات المحلية ويحولها إلى مواجهات إقليمية أوسع نطاقاً.

تشير الدراسة إلى أنّ القرن الأفريقي يشهد تصاعدًا ملحوظًا في انخراط قوى إقليمية من خارج القارة، في مقدمتها دول خليجية وتركيا، ضمن مشهد تنافسي متشابك لم يعد يقتصر على النفوذ الاقتصادي أو الحضور الدبلوماسي، بل بات عاملًا مؤثرًا في ديناميات النزاعات المحلية والتوازنات الأمنية الإقليمية.

وفق هذا المنظور، لم يعد القرن الأفريقي ساحة جغرافية منفصلة عن معادلات الشرق الأوسط، بل أصبح امتدادًا مباشرًا لمسرح البحر الأحمر، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. هذا التداخل بين المسارين الأفريقي والشرق أوسطي يعيد صياغة طبيعة الصراعات، ويزيد من احتمالات انتقال النزاعات من مستوى محلي إلى نطاق إقليمي أوسع.

تلفت الدراسة إلى تبلور محورين متقابلين داخل المشهد الإقليمي. من جهة، يظهر محور يرتبط بشبكات نفوذ مدعومة إماراتيًا مع حضور إسرائيلي متزايد، ويتموضع عبر علاقات وثيقة مع إثيوبيا وبعض الفاعلين المحليين في الصومال، إضافة إلى ارتباطات بارزة بقوات الدعم السريع في السودان. في المقابل، يتشكل فضاء تحالفي مدعوم من مصر والسعودية وتركيا وقطر، ويرتكز على شراكات مع القوات المسلحة السودانية والحكومة الفيدرالية الصومالية.

هذا الاستقطاب يعكس انتقال المنافسة الإقليمية من نطاق النفوذ التقليدي إلى مرحلة أكثر حساسية، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع رهانات الجغرافيا السياسية.

فالدول الإقليمية لم تعد تكتفي بتوسيع حضورها الاقتصادي أو السياسي، بل باتت منخرطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مسارات النزاعات المحلية.

الحرب الأهلية في السودان تمثل المثال الأكثر وضوحًا على تأثير هذا التنافس. النزاع، الذي طال أمده وتفاقمت كلفته الإنسانية، تحول إلى نقطة جذب لتدخلات خارجية متعددة.

تدفقات السلاح، والتقنيات العسكرية الحديثة، والرهانات السياسية المتضاربة، جميعها ساهمت في تعقيد المشهد وإطالة زمن الصراع. وفي الوقت ذاته، أصبح السودان بيئة جاذبة لفاعلين إقليميين ودوليين يسعون لاستثمار حالة عدم الاستقرار.

غير أنّ السودان ليس الحالة الوحيدة. فالتوترات الإثنية والسياسية في إثيوبيا، والخلافات الفيدرالية المزمنة في الصومال، وسعي أديس أبابا إلى ضمان وصول مستقر إلى البحر، إضافة إلى ملف سد النهضة، تشكل جميعها بؤر احتكاك تتقاطع مع الحسابات الإقليمية. ومع دخول قوى خارجية على خطوط هذه الملفات، تزداد احتمالات انتقال النزاعات من مستوى محلي إلى نطاق إقليمي أوسع.

وتحذر الدراسة من أنّ استمرار هذا المسار قد يفضي إلى نمط صراعات بالوكالة يصعب احتواؤه لاحقًا. فالتنافس الإقليمي، حين يتداخل مع نزاعات داخلية هشة، غالبًا ما يؤدي إلى إطالة أمد الصراعات وتعقيد تسوياتها السياسية.

المخاطر المرتبطة بهذا المشهد لا تقتصر على الدول المعنية مباشرة. فتصاعد التوترات في القرن الأفريقي يحمل تداعيات محتملة على استقرار البحر الأحمر، بما يحمله من أهمية استراتيجية تتعلق بأمن الملاحة الدولية، وحركة التجارة، وأمن الطاقة. أي اضطراب واسع النطاق في هذا الإقليم قد يمتد أثره إلى ما هو أبعد من حدوده الجغرافية المباشرة.

في هذا السياق، يبرز القلق من توسع هامش الحركة أمام فاعلين غير دولتيين وجماعات مسلحة عابرة للحدود. فبيئات الصراع الممتد تخلق فراغات أمنية تستغلها جماعات متطرفة أو قوى دولية منافسة. وقد أظهرت التجارب السابقة أنّ النزاعات المركبة تميل إلى إنتاج دورات طويلة من عدم الاستقرار يصعب تفكيكها.

وتؤكد الدراسة أنّ معالجة هذا المشهد لا تقوم على الانحياز لمحور ضد آخر، بل على خفض منسوب التصعيد وإعادة ضبط قواعد التنافس. فالعقلية الصفرية التي تحكم سلوك بعض الفاعلين الإقليميين تساهم في تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مفتوحة، وتزيد من احتمالات سوء التقدير الاستراتيجي.

في المحصلة، بات القرن الأفريقي أحد أبرز مسارح التنافس الجيوسياسي المرتبط بالبحر الأحمر. ومع غياب أطر إقليمية جامعة قادرة على استيعاب هذا التداخل، تظل المنطقة عرضة لمزيد من الاستقطاب وعدم الاستقرار. التحدي الأساسي لا يكمن فقط في إدارة الأزمات القائمة، بل في منع تحول التنافس الإقليمي إلى بنية صراع دائمة يصعب احتواؤها مستقبلًا.

اخر الأخبار