لماذا تستثني إسرائيل لبنان من وقف النار؟ صراع على قواعد ما بعد الحرب

تابعنا على:   17:53 2026-04-09

حسن لافي

أمد/ بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والاتجاه نحو مفاوضات في العاصمة الباكستانية، بدا المشهد وكأنه يتجه نحو تهدئة شاملة. غير أن الموقف الإسرائيلي المفاجئ باستثناء الجبهة اللبنانية، بل وتصعيدها الميداني، أعاد طرح سؤال أعمق: هل المسألة تكتيك تفاوضي، أم تعبير عن مأزق استراتيجي أعمق؟

لا يمكن فهم إصرار إسرائيل على استثناء الجبهة اللبنانية من أي ترتيبات لوقف إطلاق النار، بمعزل عن التحول الأعمق الذي أصاب بنية القرار الاستراتيجي لديها بعد الحرب الأخيرة. فالمسألة لا تتعلق بتفصيل تفاوضي أو تكتيك ميداني، بل تعكس مأزقًا مركبًا يتداخل فيه العسكري بالسياسي، والإقليمي بالداخلي.
في الظاهر، يبدو القرار الإسرائيلي محاولة للحفاظ على حرية العمل العسكري في ساحة حساسة، اعتقدت إسرائيل أنها استطاعت حسمها وتحييدها منذ انتهاء عملية "رماح الشمال" نوفمبر ٢٠٢٤م، وأرست بها قواعد اشتباك اسرائيلية عنوانها الاستباحة لتلك الجبهة في أي وقت وفي كل ظرف.
لكن في العمق، هو تعبير عن أزمة ثقة، وصدمة من سلوك حزب الله وقدرته على التعافي وترميم قدراته العسكرية، الذي برزت بشكل ملحوظ في الحرب الأخيرة ، وعن إدراك متزايد بأن إدخال لبنان في أي تهدئة شاملة قد يُكرّس معادلة الردع القديمة التي فرضها حزب الله منذ عام ٢٠٠٦م، وبذلك اعتراف مباشر بفشل إسرائيل في كسرها خلال عملية "رماح الشمال"، الذي اعتبرتها إسرائيل وقادتها عنوانا جديدا للعقيدة العسكرية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر، مبنية على اخضاع الخصم، وفرض حرية العمل العسكري الاسرائيلي دون أي قواعد اشتباك ردعية.
 لذلك يمكن تفسير الإصرار الإسرائيلي بعدم  شمل لبنان بالهدنة، عبر عدة مستويات مترابطة:
أولًا، يرتبط هذا السلوك بمحاولة إسرائيلية غير مباشرة لتقييد مسار التهدئة، إن لم يكن إفشاله. فقبول وقف شامل لإطلاق النار، يشمل لبنان، يعني عمليًا انتقال المبادرة إلى المسار السياسي الذي تدفع به الولايات المتحدة، في لحظة لا تشعر فيها تل أبيب بأنها حققت ما يكفي من أهداف الحرب على إيران. هنا، يصبح استثناء لبنان أداة لإبقاء التوتر قائمًا، واستخدامه كورقة ضغط لإعادة تشكيل شروط التفاوض بين أمريكا وإيران بما يتناسب مع الرؤية الاسرائيلي وفي مقدمتها الملف النووي .
ثانيًا، يعكس القرار مأزق القيادة الإسرائيلية داخليًا. فالتطورات الميدانية، خصوصًا أداء حزب الله على الجبهة الشمالية، وضعت المؤسسة السياسية والعسكرية أمام فجوة واضحة بين الوعود والواقع. الخطاب الذي ساد حول إعادة الأمن إلى المستوطنات الشمالية وازالة تهديد حزب الله بالكامل لم يجد ترجمته العملية، ما أدى إلى تآكل الثقة، وتصاعد الضغط الشعبي. في هذا السياق، فإن وقف الحرب على الجبهة اللبنانية دون تحقيق إنجاز ملموس، لا يُقرأ كتهدئة، بل كهزيمة مركبة: استراتيجية في الميدان، وسياسية في الداخل، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتزايد التحديات أمام حكومة .
ثالثًا، تستخدم إسرائيل الجبهة اللبنانية كأداة تفاوض غير مباشرة مع واشنطن. فالإبقاء على هذه الساحة مفتوحة يمنحها هامشًا للمناورة، عبر ربط أي التزام بوقف التصعيد في لبنان، بالحصول على مكاسب في مسارات تفاوضية أخرى. بمعنى آخر، تتحول الجبهة إلى ورقة ضغط تُستخدم لإعادة إدخال الشروط الإسرائيلية في أي تسوية تقودها الولايات المتحدة مع ايران، بدل القبول بترتيبات تُفرض عليها من خارج حساباتها.
رابعًا، يرتبط هذا الخيار بتقدير سياسي إسرائيلي مركزي، أنه لا يمكن لإسرائيل السماح بتكريس مفهوم "وحدة الساحات"، لذلك تمحورت الاستراتيجية الاسرائيلية ما بعد السابع من أكتوبر على كسر وحدة الساحات، وشطبه من المخيال الشعبي والسياسي والعسكري، و بالتالي فرض إيران وقف إطلاق النار ليشمل الجبهة اللبنانية هو تكريس ضمني لوحدة الساحات وخاصة مع دخول حزب الله للحرب بجانبها ضد العدوان الإسرائيلي والأمريكي عليها.

في المحصلة، لا يتعلق استثناء لبنان من وقف إطلاق النار بقرار تكتيكي محدود، بل بصراع على تعريف نتائج الحرب نفسها. فإدخال لبنان في الاتفاق لا يعني فقط وقف القتال، بل تثبيت ميزان قوى جديد يتناقض مع السردية الإسرائيلية التي رُوّج لها خلال السنوات الأخيرة، ويوقف الاندفاعة الاسرائيلية ما بعد السابع من أكتوبر.
وهو ما يفسر القلق الإسرائيلي من تداعيات أوسع، أبرزها: انكشاف محدودية عقيدة “النصر الحاسم”، تعثر مشروع إعادة تشكيل الإقليم، وتزايد تردد الفاعلين الإقليميين—وفي مقدمتهم السعودية—في الانخراط في مسارات تطبيع غير مضمونة النتائج.
بهذا المعنى، تكشف الجبهة اللبنانية عن جوهر المأزق الإسرائيلي: فهي لا تستطيع حسمها، ولا تستطيع القبول بنتائج عدم حسمها. لذلك، تختار إدارة التوتر، بمبدأ ما لم يُحل بالقوة يُحل بمزيد من القوة، الأمر  الذي يخدم نتنياهو في تأجيل لحظة الاعتراف  بفشله في فرض ميزان قوى جديد مع حزب الله إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية. 
إنها، في النهاية، ليست مسألة هدنة تشمل لبنان أم تستثنيه، بل معركة على تعريف ما بعد الحرب: هل تُثبَّت معادلات الردع السابقة، أم يُعاد إنتاج وهم القدرة  الاسرائيلية على تغيير وجه الشرق الأوسط بمزيد من القوة.

اخر الأخبار