قراءة في مسودة الدستور (2- 5)

تابعنا على:   14:27 2026-04-17

جهاد حرب

أمد/ (1) الأولوية للشعب أم للحكم

تأخير لجنة صياغة الدستور مكانة الشعب كمصدر للسلطات في مسودة الدستور إلى المادة 9 مقابل تقديم النص على نظام الحكم في المادة الثانية منه؛ يعني وفقاً لمفهوم الهندسة الدستورية أن الأولوية لدى لجنة الصياغة لنظام الحكم وتنظيم العلاقة بين مكوناته على حساب مكانة الشعب صاحب العقد الاجتماعي المنشأ لنظام الحكم ذاته.

 كما أن صياغة النص في المادة التاسعة "الشعب مصدر السلطات، يمارس سيادته بحرية من خلال مؤسساته الدستورية، ولا تمارس أي سلطة إلا وفق أحكام هذا الدستور، وبما يحقق المصلحة الوطنية العليا." يحمل العديد من الإشكاليات؛ نقل ممارسة أعمال السيادة من الحكومة "أي الحكومة بالمعنى الواسع التي تعني النظام السياسي بمجمله" التي تفرض السيطرة على إقليم الدولة إلى ممارسة السيادة من المؤسسات الدستورية التي أشار إليها في الباب التاسع (المواد 145- 150) "مؤسسات الدولة الدستورية المستقلة مثل الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان وديوان الرقابة المالية والإدارية وسلطة النقد ...الخ" دون وضوح مكانة المؤسسات السياسية المنصوص عليها في "الباب الثالث والرابع والخامس" باعتبارها سلطات الحكم السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية.

إن النص في هذه المادة بهذه الطريقة يحيل أيضا إلى الخلط بين لفظ السلطات الثلاثة "التنفيذية والتشريعية والقضائية" وهي مصدرها الشعب، وبين لفظ السلطة؛ بمعنى المهمة والصلاحية الممنوحة لمؤسسات الدولة، التي مصدرها الدستور أو القانون.

بالإضافة إلى ذلك ربط ممارسة سيادة الشعب "وبما يحقق المصلحة الوطنية العليا" يثير غموضاً على النص، حيث أن مفهوم الصالح العام أو المصلحة العامة من المفاهيم التي يُختلف عليها في أي حال من الأحوال وهي مثار نزاع أزلي، والتي يُختلف فيها على مَنْ هو أو هي الجهة التي تحدد المصلحة العامة. الأمر الذي يتطلب إعادة توضعها بتقديمها إلى المادة الثانية من الدستور وتعديلها على النحو التالي؛ "الشعب مصدر السلطات ويمارسها عن طريق سلطات دولة فلسطين ومؤسساتها على الوجه المبين في هذا الدستور".

 

(2) تكريس إشكالية العلاقة بين المنظمة والدولة

تكرس نصوص مسودة الدستور استمرار وجود النظام السياسي الفلسطيني المزدوج القائم على مرجعيتين قانونيتين ومؤسسات سياسية وإدارية مختلفة. فقد نصت المادة 11 منه على "إن قيام دولة فلسطين لا ينتقص من مكانة منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني". فهي تعيد تجربة التداخل بين المنظمة والسلطة التي أبرزت علاقة شائكة ما بينهما طوال السنوات الماضية في عدة جوانب من أهمها؛ المرجعيات القانونية ومدى خضوع مؤسسات المنظمة للتشريعات التي تصدرها السلطة الفلسطينية "دولة فلسطين"، حيث تصدر القرارات بقوانين مؤخراً عن الرئيس وتتضمن في ديباجتها الإشارة إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وتُوقع من الرئيس بصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية.

كما يُبقي هذه النص الوضع الفلسطيني دون الانتقال نحو تجسيد الدولة وتوحيد مؤسسات النظام السياسي لإنهاء ازدواجية/ ثنائية المؤسسات التي تم انشائها؛ فالنظام السياسي القائم اليوم فيه مؤسستان تقومان بمهام التشريع (مجلس النواب والمجلس الوطني) ومؤسستان تنفيذيتين (مجلس الوزراء واللجنة التنفيذية).

وبالرغم من استمرار شخص واحد في منصب رئيس اللجنة التنفيذية ورئيس الدولة حتى الآن، واستمرار اختلاف مرجعية الشرعية (الانتخابات بالنسبة للدولة مقابل توافق الفصائل بالنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية أو ما كان يعرف بالشرعية الثورية سابقا، والمرجعية الدستورية (الدستور والنظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية)، إضافة إلى وجود وزارة خارجية مقابل استمرار تمثيل المنظمة للفلسطينيين باعتبار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير حكومة دولة فلسطين المؤقتة الى حين تشكيل حكومة فلسطين.

ناهيك على أن المنظمة ستصيح مركزا ماليا في موازنة دولة فلسطين، ومنح مؤسسات الدولة حق الرقابة على مؤسسات منظمة التحرير مثل ديوان الرقابة المالية والإدارية، والمحاكم فيما يتعلق بدعاوى الحكومة، وضعف تمثيل منظمة التحرير لقطاع واسع من الجمهور الفلسطيني بما فيه فصائل وازنة مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي مقابل تراجع مكانة "شعبية" أغلب الفصائل المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية.

كما لا يطرح النص احتمالية فوز شخص بمنصب رئيس الدولة غير شخص رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، مما سيخلق أزمة الدستورية “صراع على المكانة والصلاحيات" تؤدي إلى حرب أهلية وفوضى داخلية أكثر تدميراً مما جرة في العام 2007 على النظام السياسي والبنى الاجتماعية للمجتمع الفلسطيني. المقترح هنا لا يعني بالضرورة شطب مكانة منظمة التحرير من التاريخ الفلسطيني بل إعادة النظر في دورها في تكريس نضال الشعب الفلسطيني. الأمر الذي يتطلب تعديل المادة 11 من مسودة الدستور على النحو التالي؛ " إن قيام دولة فلسطين لا ينتقص من رسالة منظمة التحرير الفلسطينية بربط أبناء الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده بدولة فلسطين للحفاظ على الهوية الوطنية والارتباط الحضاري بها وتطوير أواصر العلاقة بأرضها."

اخر الأخبار