انتقاد إسرائيل ليس معاداة للسامية: جدلية التمييز بين الحق في النقد والكراهية العنصرية
عبدالحكيم سليمان وادي
أمد/ في خضم النقاش الدائر حول السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يبرز خلط مفاهيمي خطير يمس أحد أقدس مبادئ الديمقراطيات الحديثة: حرية الرأي والتعبير. فالكثيرون يصرون على وصف أي نقد موجه إلى إسرائيل بأنه "معاداة للسامية"، في محاولة لاختزال حق مشروع في النقد السياسي ضمن إطار خطاب الكراهية العنصري. وهذا المقال يهدف إلى توضيح الفروق الجوهرية بين الموقفين، وتأكيد أن انتقاد دولة إسرائيل – كأي دولة أخرى في العالم – ليس فقط حقاً ديمقراطياً، بل هو واجب أخلاقي وقانوني عندما تنتهك تلك الدولة قواعد القانون الدولي،وتنتهك حقوق الإنسان.
أولاً: التعريفات الدقيقة
معاداة السامية، في تعريفها العلمي والأكاديمي، هي عداء أو تحيز أو كراهية موجهة ضد (اليهود كمجموعة عرقية أو دينية). تتجلى في خطابات الكراهية، ونظريات المؤامرة التي تتحدث عن "يهود العالم" ككيان خفي يتحكم بالأحداث، واستخدام الصور النمطية السلبية عن اليهود مثل(البخل، الخيانة، السيطرة على المال والإعلام)، وإنكار الهولوكوست أو تبريره، واستهداف اليهود كديانة بعنف جسدي أو لفظي لمجرد كونهم يهوداً وليس مستوطنين فوق الأراضي الفلسطينية،ويرتكبون جرائم حرب وجرائم ضد الأنسانية في فلسطين المحتلة.
أما انتقاد دولة الاحتلال الاسرائيلي، فهو ممارسة سياسية ديمقراطية طبيعية وهي حق للجميع، وعلى رأسهم احرار العالم من النخب والمثقفين والمفكرين والسياسيين والفنانين والإعلاميين وغيرهم، تتناول أفعال عنصرية وجرائم حرب لحكومة إسرائيل المتطرفة،وكذلك انتقاد جيشها على جرائم الحرب التي يرتكبها في غزة ولبنان وايران،و أيضا انتقاد سياساتها المحددة التي تكرس الاحتلال في فلسطين والجولان ولبنان،أيضا قد يشمل ذلك انتقاد الاستيطان الاسرائيلي في الضفة الغربية، أو الحصار المفروض على قطاع غزة منذ سنوات طويلة، أو انتقاد سياسات التمييز العنصري ضد الفلسطينيين داخل اسرائيل او في الضفة والقدس المحتلة، أو انتهاكات القانون الدولي في الحروب وجرائم الابادة والجرائم ضد الأنسانية،وقتل الأطفال والنساء والمدنيين وتدمير البنية التحتية في غزة ولبنان وايران وغيرهما من الدول في المنطقة، أو رفض حل الدولتين وعدم تنفيذ قرار التقسيم الأممي رقم 181 الصادر عام 1947، أو انتقاد دعم سياسات الضم والتهجير القسري للفلسطينيين في غزة والضفة والقدس المحتلة، هذا النقد لا يتعلق اطلاقاً (باليهود كبشر أو كديانة)، بل يتعلق بالمستوطنين، وبدولة الاحتلال الاسرائيلي التي تمارس سياسات اجرامية وغير قانونية قابلة للنقد كأي دولة أخرى يمكن انتقادها على افعالها الأجرامية، مثال دولة الأبارتايد العنصرية سابقا في جنوب أفريقيا.
ثانياً: لماذا الخلط بين المفهومين.
هناك عدة أسباب تدفع بعض الأطراف؛ بما فيها حكومات إسرائيلية متعاقبة ومؤسسات ضغط موالية لها مثل اللوبي الصهيوني، ومنظمة ايباك ومحطات إعلامية ضخمة إلى محاولة خلط الأوراق وطمس الحدود الفاصلة بين "معاداة السامية"، وانتقاد إسرائيل للأسباب التالية:
1- المكسب السياسي من خلط الأوراق :
تصوير منتقدي إسرائيل على أنهم معادون للسامية وهي الشماعة والذريعة لتشوية الحقيقة، حيث يتم عزلهم أخلاقياً وقانونياً، وكسب تعاطف الحكومات الغربية والرأي العام الدولي مع اسرائيل رغم ان أغلب المنتقدين هم في الأصل يهود مثل عضوٍ الكونغرس الأمريكي/ساندريز،أو المفكر الامريكي اليهودي/نعوم تشومسكي وكثيرين منهم.
2-تسليح التاريخ المأساوي: يتم استغلال ذكرى الهولوكوست والمحرقة النازية التي حصلت في المانيا على يد هتلر عام 1945, لخلق درع حماية سياسي لأي إجراء تتخذه إسرائيل، بغض النظر عن عدم تطابقه مع القيم اليهودية أو الإنسانية أو القانون الدولي الإنساني او حقوق الإنسان او القانون الدولي.
3- إسكات النقاد: تُستخدم تهمة معاداة السامية (كسلاح ردع) ،في الجامعات والنقابات ووسائل الإعلام والبرلمانات، لمنع أي نقاش جاد حول السياسات الإسرائيلية التي تدخل في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الأنسانية.
ثالثاً: معايير التمييز العملية بين معادة السامية وبين توجية اتقادات لاسرائيل كدولة احتلال.
لكي نميز بين نقد مشروع لإسرائيل وبين معاداة حقيقية للسامية، نعتمد على المعايير التالية:
- الموضوع: النقد المشروع يتناول سياسات محددة وقابلة للتغيير (مثل اختراع قانون القومية يهودية الدولة والغير يهودي هو مواطن درجة ثانية او ثالثة، بناء المستوطنات في الضفة والقدس المحتلة)؛ بينما (معاداة السامية)،تهاجم "اليهود" ككل، أو تستخدم رموزاً عنصرية تاريخية مثلما فعل هتلر.
-المقاربة: النقد المشروع يقارن إسرائيل بمعايير تنطبق على كل دول العالم مثل احترام (القانون الدولي، حقوق الإنسان)؛ ولكن معاداة السامية تفرض على إسرائيل معايير استثنائية لا تطالب بها أي دولة أخرى.
-اللغة: النقد المشروع يحافظ على لغة سياسية وقانونية ومهنية؛بينما معاداة السامية تستخدم شتائم عرقية، أو تشبيهات حيوانية، أو أكاذيب تاريخية (كأكذوبة "الدم والعرق الآري ").
-الهدف: النقد المشروع يهدف إلى تغيير سياسة عنصرية او اجرامية، أو إنهاء احتلال أو تحقيق عدالة لشعب تحت الاحتلال، لكن معاداة السامية تهدف إلى نبذ (اليهود وإقصائهم )،وتبرير العنف ضدهم وهذا غير صحيح لان المشكلة سياسية تكمن في الاحتلال الاسرائيلي الى فلسطين عام 1948، وان هناك الاف من اليهود يعيشون في الدول العربية والإسلامية بشكل طبيعي ولهم جميع الحقوق بدون اي تمييز ضدهم.
رابعاً: موقف القانون الدولي وحقوق الإنسان.
تنص المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948, على أن "لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تداخل، واستقبال المعلومات والأفكار ونقلها بأي وسيلة ودون اعتبار للحدود". هذا الحق لا يسقط عندما يكون موضوع النقد دولة إسرائيل باعتبارها فوق القانون الدولي مستخدمة شماعة معاداة السامية كذبا وزوراً وبهتانا ضد الاراء التي تنتقدها وتفضح جرائمها في فلسطين المحتلة.
كذلك، فإن محكمة العدل الدولية ولجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والعديد من الهيئات القانونية الدولية أصدرت عشرات التقارير التي تنتقد سياسات إسرائيل تحديداً، دون أن يتهم أي من هذه الهيئات بأنها "معادية للسامية"، بل على العكس، فإن محكمة العدل الدولية أصدرت في يوليو 2024 فتوى اعتبرت فيها أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني ويمثل شكلاً من أشكال التمييز العنصري يجب انهائه فورا وبدون تأخير.
خامساً: موقف يهودي من الداخل.
من المهم التأكيد أن كثيراً من اليهود حول العالم – بما في ذلك إسرائيليين بارزين – يميزون بوضوح بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل. هناك منظمات يهودية مثل "الصوت اليهودي من أجل السلام" (Jewish Voice for Peace) ومنظمة "المراقبة الإسرائيلية لحقوق الإنسان" (بتسيلم) تنتقد السياسات الإسرائيلية يومياً، وتعتبر أن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين هو جزء من قيم العدالة اليهودية، وليس معاداة للسامية.
أيضا، هناك كثير من الحاخامات والمفكرين اليهود يؤكدون أن الخلط بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية هو خدمة سيئة لليهود أنفسهم، لأنه يحول الخطاب العام ضد الكراهية الحقيقية إلى سلاح سياسي مبتذل.
سادساً: مخاطر الخلط على قضية معاداة السامية الحقيقية
عندما يتم اتهام كل من ينتقد إسرائيل بأنه "معاد للسامية"، فإن ذلك يؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة منها التالي:
1- تراجع مصداقية معاداة السامية كقضية حقيقية، حيث يصبح الجمهور متعباً من كثرة الاتهامات غير المبررة.
2- صعوبة ملاحقة حالات )معاداة السامية الحقيقية)، لأن الأجهزة القانونية والرأي العام يصبحان أقل استجابة بسبب خلط الأوراق.
3-إضفاء الشرعية على المعادين الحقيقيين للسامية مثل المجموعات النازية المتطرفة، الذين يمكنهم التخفّي وراء النقد السياسي المشروع لتمرير كراهيتهم العنصرية ضد اليهود كديانة وعرق.
ختاما،يمكن القول أن الفجوة بين معاداة السامية وانتقاد إسرائيل ليست مجرد فارق دلالي، بل هي (خط أحمر) أخلاقي وقانوني؛ لكل إنسان في هذا العالم الحق الكامل في انتقاد سياسات أي دولة، بما فيها إسرائيل، دون أن يُوصم بمعاداة السامية؛ وفي المقابل، يجب التصدي بصرامة لأي خطاب عنصري يستهدف اليهود كبشر او كعرق.
واخيراً، ربما يكمن الحل الأمثل في "الالتزام بالدقة والموضوعية"؛عندما تنتقد إسرائيل،فالرجاء احترام مشاعر دولة الاحتلال الاسرائيلي وانتقاد سياساتها الأجرامية العنصرية وحرب الابادة في قطاع غزة وباقي المدن الفلسطينية وفي لبنان وسوريا واليمن وايران عبر قتلها الاف من المدنيين الأبرياء دون ذنب، ان تنتقدها (بلطف) وبكثير من الحنان والهدوء والذكاء، باستخدام الأدلة والقانون الدولي،وفي حال تواجهت مع أشخاص يعادون السامية، ان تعالجها كقضية قائمة بذاتها بشكل منفرد وحنون ولطيف، ولا تعاملها كأداة سياسية لإنهاء النقاش لأننا جميعا ضد معاداة السامية،كما أننا ضد دولة الاحتلال الاسرائيلي ومع إنهاء حالة الاحتقان بإعطاء الشعب الفلسطيني حقه في العودة وتقرير المصير،وبهذا الموقف المتوازن نحمي حرية التعبير، ونحترم حقوق الإنسان للجميع، وندافع عن القيم الديمقراطية الحقيقية على حد سواء ليعم السلام العادل والشامل في المنطقة.
