سيدات روما تغلق فم الثرثار
عمر حلمي الغول
أمد/ يوم الاحد الموافق 12 نيسان / ابريل الماضي، هاجم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، في حديث مع الصحفيين في قاعدة أندروز الجوية المشتركة بولاية ماريلاند، واصفا أهم شخصية مسيحية، وراعي الكنيسة الكاثوليكية التي يتبع لها أكثر من مليار وربع انسان، بأنه "شخص ليبرالي للغاية، ورجل لا يؤمن بوقف الجريمة"، وأتهمه ب "التودد لدولة تسعى لامتلاك سلاح نووي". ولم يكتف بذلك، بل كتب في ذات اليوم على منصته "تروث سوشيال" إن البابا ليو الرابع عشر "متساهل مع الجريمة، وكارثي في السياسة الخارجية"، وأضاف "لا اريد بابا يرى امتلاك إيران للأسلحة النووية أمر مقبول، ولا أريد بابا يرى أن هجوم اميركا على فنزويلا أمر فظيع." واتهمه بعدم الفهم، ولم يتوقف سيد البيت الأبيض عن مهاجمة بابا الفاتيكان.
ولم ينجر البابا ليو الى متاهة ترمب، وأكد في تصريح أخير وهو متجه الى انغولا أول أمس السبت 18 ابريل الحالي، انه سيبقى يدعو للسلام، ويرفض الحروب التي تهدد حياة ملايين الناس في العالم، وأوضح البابا أنه لم يسمِ أحداً، عندما هاجم دعاة الحروب.
ورغم نأي بابا الفاتيكان بنفسه عن ثرثرات الرجل المسكون بالتغول والإساءة لزعماء الدول، تولت رئيسة وزراء إيطاليا جورجا ميلوني في اليوم التالي لمهاجمة ترمب البابا الرد عليه، وقالت له "تصريحاتك يا ترمب تجاه البابا غير مقبولة." فرد عليها قائلا "بل أنتِ يا ميلوني الغير مقبولة، ولا يهمك إن حصلت إيران على أسلحة نووية ودمرت إيطاليا في دقيقتين" مما دعا ميلوني للرد عليه بقسوة وأعنف من السابق فأفحمته بالقول "على حد علمي، تسع دول تمتلك أسلحة نووية، وواحدة فقط استخدمتها. تلك الدولة هي الولايات المتحدة، على السيد ترمب أن يخفف من حدة كلامه، لا أحد يطلق تهديدات نووية مثل واشنطن، وعليه أن يحذر من كلماته."
ولم يقتصر الرد من ميلوني، بل دخلت على خط مهاجمة ترمب زعيمة المعارضة الإيطالية وغريمة رئيسة الوزراء وعدوتها الأولى ايلي شلاين، للدفاع عن ميلوني، وقالت "اسمع يا ترمب، حتى نحن الايطاليين لن نقبل أي هجمات على ميلوني خاصة من فمك البذيء." وحسب وصف بعض الصحفيين الغربيين الذين تابعوا عملية الردح المتبادل بينهم، فقال أحدهم، لم يقم أحد بإلقاء ترمب في سلة المهملات ليلة الاحد الاثنين 12 و13 ابريل الحالي، مثل سيدات روما التي اهانته عبر وصلة ردح بالإيطالي جعلته يتلم ويخرس لأول مرة من هول صدمة التهزيء الذي جعله مسار سخرية العالم. وأضاف ترمب يمر بأوقات عصيبة تنتشر كالنار في الهشيم، وتجتاح العالم، وجعلته منبوذا، وأفقدته حربه على إيران من أي شعبية، لذلك فهو يخسر بالنقاط في حلبة مصارعة تلك الحرب.
وفعلا تمكنت سيدات روما الفوز بالنقاط على الرئيس ال 47 بإدراج الوقائع والحقائق، كما لم يفعل أي زعيم دولي آخر من الرجال، الذين للأسف الشديد يلوذون بالصمت عندما يقوم ترمب بتوبيخهم والتطاول عليهم وعلى دولهم، ويسخر منهم ويصفهم بأقذع الصفات المهينة، ليس هذا فحسب، بل يتنازلون له، ويوافقون على مطالبه، حتى لو كانت تمس سيادة واستقلال دولهم.
أضف لذلك، وهو ما لم تقله سيدات إيطاليا، لماذا يصمت الرئيس ترمب عن امتلاك دولة إسرائيل اللقيطة الأسلحة النووية، ولديها وفق المصادر الأوروبية ووكالة الطاقة النووية أكثر من 200 رأس نووي؟ لماذا لم يشر لذلك ولو لمرة واحدة، أم أن إسرائيل الأداة الوظيفية للولايات المتحدة مسموح لها امتلاك السلاح النووي في الإقليم، وغيرها من الدول غير مسموح لها ذلك؟ ما هي المعايير السياسية والقانونية والعسكرية والبيئية التي تؤهلها لذلك؟ ولماذا لا يسمح لوكالة الطاقة النووية بمراقبة المفاعل النووي الإسرائيلي اسوة بالدول الأخرى؟ ولماذا لا يسمح للدول العربية والشرق أوسطية عموما بامتلاك المفاعلات النووية السلمية، وليس الرؤوس النووية المدمرة والمهددة للبشرية؟ وهل القانون الدولي مفصل على مقاس التسع دول التي تمتلك السلاح النووي، أم أن الضرورة تحتم اغلاق المفاعلات النووية كافة في مختلف الدول دون استثناء؟ لأن خطرها يهدد شعوب الأرض جميعها.
شكرا لسيدات إيطاليا على جهودهن وردهن المفحم للرئيس الأميركي ترمب، واغلاق فمه وثرثراته المشوشة والموترة للمناخ السلمي العالمي، ويا حبذا لو أن زعماء الدول قاطبة يتمثلون نهج سيدات روما ميلوني وشلاين، لوضع حد لبلطجات سيد البيت الأبيض الذي ينشر الحروب لا السلام في العالم.
