كل عامٍ وذكرى آخرِ عيدِ أمٍّ عشناهُ بسلامٍ وخير
تاريخ النشر : 2025-03-21 19:18

* ينقبضُ قلبي وأنا أكتبُ هذه الكلمات، كما لو أنّها تعصرُ روحي بينَ سطورها.
 اليوم عيدُ الأم، ورغم أنَّ كلَّ الأيَّام هي لها، إلَّا أنَّ هذا اليوم تحديدًا يأتي ثقيلاً، مفعمًا بغيابٍ يملأُ المكانَ ويخنقُ الأنفاس.
في الأعوام الماضية، كنتُ أبحث عن هدية تليقُ بأمّي، كنتُ أحملُ إليها باقةَ ورد، أختارُ عطرًا يُشبهُ روحَها، وأفرحُ برؤيتها تحتضنُ الهديّة بوجهها الذي كان يُضيءُ البيتَ فرحًا. 
أمّا اليوم، فأنا أقف عاجزة، لا أملك سوى الذكرى. حتَّى أبسطُ الأشياء التي كانت تملأُ موائدَنا ذاتَ يوم، غدتْ ترفًا بعيد المنال، فكيف أُهديها ما لم أعُد أملكه؟ حتّى كرتونة البيضِ صارت حلمًا في هذه المجاعة التي تسرقُ منّا كلَّ شيء.
وفي لحظة تأمّل ثقيلة، أطلتْ عليَّ من ذكرياتِ الفيسبوك صورةٌ لباقةِ وردٍ كنتُ قد تلقيتها يومًا من زوجي والأولاد، شعرتُ بوخزةٍ في قلبي، وهمستُ بحزن: "كنَّا نعيشُ ونفرح، نتهادى، نُمسكُ الورود،ونرشُّ العطور، متى غابَ عنَّا كلّ هذا؟"
كنتُ أُعدُّ فطورًا ناقصَ المكونات حين دخلتْ مريم، ابنةُ أخي الصغيرة، بعينيها الواسعتين، وقالت ببراءةٍ: "كلُّ عامٍ وأنتِ بخير يا عمّتو!" ابتسمتُ لها رغمَ الدموع العالقة في عيني بسبب خوفي من الحرب ووجعها لروحي،وأجبتُها: "وأنتِ بخير، لكن ما المناسبة؟" نظرتْ إليَّ بدهشة، وكأنّ سؤالي غريبٌ، وقالت بحزم: "صحيح أنَّها حرب، لكن اليوم هو عيدُ الأم!"
أدهشني كلامها.. كيفَ لطفلةٍ بالكادِ تُجيدُ القراءةَ والكتابةَ أن تُدرك  عيدِ الأم في ظروف الحرب؟ كيفَ وعَتْ ما غفلنا عنه وسطَ الألم ودمار قطاع غزة؟ لكنَّ الحربَ تفعلُ ذلك.. تُجبرُ الأطفال على أن يكبروا قبلَ أوانهم، على أن يُدركوا معنى الغيابِ والفقد أكثر ممَّا يجب. مريم لم تَعدْ تُفكّرُ في الهدايا، في الورودِ والعطور، بل صارت ترى العيدَ وسطَ الركام، وسطَ دموعِالأمهات اللاتي يبحثنَ عن لقمةٍ لصغارهنَّ ولا يجدن.
في أماكنَ أخرى، يُهدي الأبناءُ أمهاتهم الهدايا، يملؤونَ البيوت ضحكًا وفرحًا، أمَّا في غزّة، فالعيد صار دموعًا على أمهات غادرن ولم يعُدن. أين هديل حسين، ابنةُ خالي الشهيدة،وطفلتُها ؟ أين الشهيدة سماهر حسين، واولادها الذين دُفنَت معهم أحلامُهم، وأهازيج الفرح؟ كيف يكون عيدُ الأمّ عيدًا وأمهاتُنا في القبورِ وأطفالُهنَّ تحتَ الأنقاض؟
في غزة، العطورُ لم تعُد تُهدى للأمهات، بل تُرشّ على أجساد الشهداء. الورود لم تعُد تُحمل بفرحٍ، بل دُفنت تحتَ الركام مع من كانوا يحتفلونَ بها.
 عيد الأمِّ عندنا ليسَ يومًا للفرح، بل لحظةُ صمت طويلة أمام القبور، وتأمُّلٌ في الوجوهِ التي غادرت ولم تعُد.
كلُّ عامٍ، وذكرى آخرِ عيد أمّ عشناه بسلام وخير، تسكنُ قلوبَنا، تُرافقُنا كظل لا يغيب، نُعيدُ رسمَها في ذاكرتنا، علَّها تمنحُنا بعضًا من الدفءِ وسطَ هذا البرد القاسي.