هآرتس: أزمة حماس الداخلية تنعكس على مسار صفقة تهدئة غزة والرهائن
تاريخ النشر : 2025-08-03 14:48

 تل أبيب: قالت صحيفة "هآرتس" العبرية في تقرير لها يوم الأحد، أن الصعوبة في التوصل إلى صفقة لا تكمن فقط في الموقف المتشدد الذي تبديه حركة حماس، بل أيضًا في صراعات القوى داخلها.

وأضافت أن جهود وساطة لصفقة الرهائن تسير حاليًا في ثلاثة مسارات منفصلة، من دون وجود حلقة وصل قد تثمر نتائج.

في المسار الأول، تواصل مصر وقطر إجراء اتصالات مع حماس، وانضمّت إليهما تركيا، حيث استضاف وزير خارجيتها هاكان فيدان يوم الجمعة وفدًا من الحركة برئاسة رئيس مجلس قيادتها، محمد درويش.

في المسار الثاني، الذي أعيد تنشيطه بجهود ستيف ويتكوف، تحاول الولايات المتحدة “تحسين” الموقف الإسرائيلي وصياغة مقترحات قد تقبل بها حماس. صحيح أن ترامب ساهم بتغريدة هجومية قال فيها إن “أسرع طريقة لإنهاء الأزمة الإنسانية في غزة هي أن تستسلم حماس وتفرج عن الأسرى”، إلا أن هذه التغريدة بدت ضعيفة مقارنة بتحذيره الشهر الماضي، عندما قال: “عليكم أن تختاروا – إما أن تفرجوا فورًا عن جميع الأسرى وتعيدوا جثامين كل من قتلتموهم، أو سيكون هذا نهايتكم. أنا أرسل إلى إسرائيل كل ما تحتاجه لإنهاء المهمة”. ومنذ ذلك الحين، يبدو أن مسار الضغط الوحيد المتاح أمام واشنطن يمرّ عبر القدس، حيث باتت غزة تمثل تهديدًا داخليًا لحملة ترامب.

في المسار الثالث، تعمل دول الخليج بقيادة السعودية، ومع فرنسا ودول أوروبية أخرى، على بلورة حل سياسي يشمل الاعتراف بدولة فلسطينية، وقبل ذلك إنشاء كيان لإدارة غزة لا تكون حماس شريكة فيه.

وقالت الصحيفة العبرية، تواجه هذه المسارات الثلاثة موقفًا متشددًا من حماس، عبّر عنه خليل الحية، نائب يحيى السنوار. وقال الحية: “لا جدوى من التفاوض بينما تشن إسرائيل حرب إبادة وتجويع على غزة”، موضحًا أنه لن يعود إلى طاولة المفاوضات إلا إذا أُدخلت مساعدات إنسانية إلى القطاع “بشكل لائق”. لكن مجرد العودة إلى المفاوضات لا يضمن التوصل إلى صفقة، إذ لم تتغير المطالب الأساسية للحركة. كما أنه ليس واضحًا ما إذا كان الحية يشير إلى صفقة جزئية أم شاملة، كما تتحدث مصادر أمنية إسرائيلية.

المقترح الجزئي، الذي تحقق فيه بعض التقدم، قد يكون له فرصة أكبر في حال فتح مسارات المساعدات الإنسانية، لكن لا تزال هناك خلافات جوهرية مثل عدد الأسرى الفلسطينيين الذين سيتم الإفراج عنهم ومدى انسحاب الجيش الإسرائيلي. أما الصفقة الشاملة، فهي أكثر تعقيدًا، لأنها تتطلب قرارًا إسرائيليًا بوقف الحرب، الانسحاب من غالبية مناطق القطاع، وتشكيل كيان فلسطيني أو فلسطيني-عربي لإدارة غزة. في المقابل، تطالب إسرائيل بأن تنزع حماس سلاحها، أن تُنفى قيادتها في غزة، وألا تكون شريكة كتنظيم في إدارة القطاع.

حماس صرّحت بأنها مستعدة للتنازل عن حصتها في الحكم إذا أُقيم “جسم إداري متوافق عليه”، لكن النفي القسري ليس جزءًا من معادلتها، وقد أوضح ممثلوها أنهم لن يضعوا السلاح “إلا إذا أُقيمت دولة فلسطينية مستقلة”.

حماس تخشى من الاعتراف بدولة فلسطينية، لأنه قد يفرض عليها الاعتراف بإسرائيل، التخلي عن الكفاح المسلح، وقبل كل شيء، فقدان دورها في إدارة الدولة المقبلة وصياغة هويتها.

في الأثناء، أثار الحية عاصفة في مصر عندما دعا “شعب مصر، قادة مصر، جيش مصر، العائلات، المثقفين، الكنائس والنخب” إلى التحرك: “إخوانكم في غزة يموتون جوعًا، وهم على حدودكم… قرّبوا صوتكم، حتى لا تموت غزة جوعًا، وحتى تفتح مصر معبر رفح”.

النظام المصري، الذي يفرض قبضة مشددة على الإعلام ويمنع المظاهرات المؤيدة لغزة، اعتبر هذه الدعوة اتهامًا مباشرًا للقاهرة بالتجويع، ومحاولة لإثارة التمرد الشعبي. الكاتب محمد السيد صالح كتب ردًا أن “إجراءات القمع الإسرائيلية وتوسيع الاستيطان، التي تهدف إلى تقويض حل الدولتين، تسارعت في العقود الثلاثة الماضية، لكن ما فعلته حماس في عملية طوفان الأقصى أخطر بكثير”. وأضاف في صحيفة “المصري اليوم” أن “جزءًا كبيرًا من الرأي العام المصري والعربي يتفق معه”. مصر الرسمية أوضحت أنها ستواصل جهود الوساطة رغم تصريحات الحية، لكنها اعترفت بأن أدوات الضغط المتوفرة لديها محدودة.

على الورق، تبدو المبادرة السياسية التي تقودها السعودية وفرنسا، والتي انضمت إليها دول غربية أعلنت نيتها الاعتراف بدولة فلسطينية (بشروط محددة)، وكأنها قد توفّر لحماس “سلّم نزول” يمكّنها من ترك السلاح. نظريًا، قد تدّعي الحركة أنها حققت الحلم الوطني الفلسطيني، لا فتح أو السلطة. لكن هذه المبادرة تفتقر إلى ركيزتين تمنحانها أفقًا واقعيًا: إسرائيل ترى فيها تهديدًا موجّهًا ضدها وتعتبرها “جائزة للإرهاب”، والولايات المتحدة، التي تقف خلفها، أوضحت موقفها عندما فرض ترامب عقوبات مبهمة على قيادة منظمة التحرير وعلى مسؤولين في السلطة الفلسطينية.

ومن المفارقات، أن حماس تشارك من حيث الجوهر موقف إسرائيل والولايات المتحدة، لأن الاعتراف بدولة فلسطينية قد يلزمها بالاعتراف بإسرائيل، ونبذ الكفاح المسلح، والأهم من ذلك، التخلّي عن دورها في إدارة الدولة القادمة وصياغة هويتها، مصادر في الحركة تقول إن أحدًا لم يسألها عن موقفها من الاعتراف الدولي المحتمل بدولة فلسطينية.

مصدر فلسطيني في الضفة الغربية مقرّب من الحركة قال لـ”هآرتس” إن مسألة طبيعة الدولة الفلسطينية أُثيرت سابقًا في محادثات المصالحة بين فتح وحماس التي أدّت إلى الإعلان عن تشكيل حكومة فلسطينية موحدة. بل صدرت حينها تصريحات علنية عن التزام حماس بالاتفاقات التي وقّعتها منظمة التحرير، بما فيها اتفاق أوسلو، والسعي إلى إقامة دولة فلسطينية. لكن “تلك التفاهمات انهارت، والتصريحات تم إنكارها أو تعديلها بعد وقت قصير”.

المبادرة السياسية التي تقودها السعودية وفرنسا تفتقر إلى ركيزتين تمنحانها أفقًا واقعيًا. إسرائيل ترى فيها تهديدًا موجّهًا ضدها، والولايات المتحدة أوضحت موقفها حين فرض ترامب عقوبات غامضة على قيادة منظمة التحرير ومسؤولين في السلطة الفلسطينية.

بحسب نفس المصدر، فإن “حماس اليوم في مكان مختلف، ولا يوجد أحد يمكنه اتخاذ قرارات سياسية حاسمة. الهيكلية التي كانت تميز الحركة انهارت، ومجلس الشورى، الذي كان يحدد المواقف الأيديولوجية التي تُشتق منها الاستراتيجية، بات جسمًا ضعيفًا، منقسمًا، وعديم السيطرة الميدانية”.

الوضع مشابه أيضًا في مجلس القيادة، المسؤول عن الشؤون اليومية للحركة، والذي أُنشئ بعد اغتيال إسماعيل هنية في يوليو/تموز 2024. من أعضائه: خالد مشعل، خليل الحية، المسؤول عن الضفة زاهر جبارين، الأمين العام نزار عوض الله، ودرويش، الذي يرأس أيضًا مجلس الشورى. لا يسود بين هؤلاء انسجام لا على المستوى الشخصي ولا الأيديولوجي أو السياسي. ويكفي أن نذكر أن نزار عوض الله كان منافسًا سياسيًا ليحيى السنوار على رئاسة المكتب السياسي في غزة. أما مشعل، الذي قطع العلاقة مع سوريا بعد المجازر التي ارتكبها بشار الأسد، وأدى إلى قطيعة طويلة مع إيران، فيُعتبر اليوم شخصية “معتدلة” تدفع نحو تسويات تُنهي الحرب. في حين يُنظر إلى درويش على أنه مقرّب من دوائر السلطة الإيرانية.

إلى هذه الخلافات الشخصية والفكرية تنضم مشكلة غياب شخصية قوية وكاريزماتية داخل الحركة قادرة على اتخاذ قرار وفرضه على القيادة. ووفقًا لمصادر نُقلت في صحيفة “الشرق الأوسط”، فإن هذا يتجلى مؤخرًا في توجه الحركة إلى التشاور مع تنظيمات فلسطينية أخرى مثل الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية في كل مرة تتلقّى فيها عرضًا من الوسطاء، بينما في الماضي لم تكن تُعير لمواقف تلك التنظيمات أي اهتمام تقريبًا.

وختمت الصحيفة العبرية تقريرها بالقول، من الصعب تقدير تأثير توسيع دائرة التشاور على المفاوضات، وليس من الواضح أيضًا مدى انصياع من يحتجزون الأسرى فعليًا لقيادة حماس. الافتراض العملي هو أن مجرد مناقشة التفاصيل الملموسة المتعلقة بالصفقة يدل على أن حماس قادرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، لكن لا توجد أي ضمانة لذلك.