بين مسجد نظيف و خيام مُحاصرة بالقذارة..ضاعت الأولويات
نسرين موسى
أمد/ وأنا أسير اليوم صباحا، في طريقي قرب منطقة الضهرة في خانيونس، استوقفتني كومةٌ من القمامة تتكدّس أمام أحد المساجد.
لكنّ المشهد لم يكن محصورًا هناك، فقد كانت القمامة تمتدّ أيضًا أمام خيام النازحين، تلاصق أماكن نومهم، وتحيط بأطفال يلعبون فوق أرض ملوّثة، يتنفسون ما تحمله من روائح و أمراض.
في تلك اللحظة، سمعت طفلًا صغيرًا يشير نحو المسجد ويقول بانزعاج: "انظروا… القمامة أمام الجامع!"
اقتربت منه وسألته: "ولماذا لم تقل إنها أيضًا أمام خيامكم؟ أليست هذه القمامة أخطر عليكم؟ أنتم تعيشون هنا، بين هذه الروائح، بين الحشرات، بين ما قد يسرق صحتكم يومًا بعد يوم."
أجاب ببساطة صادمة: "نموت منها عادي… المهم الجامع يكون نظيف."
تجمّدت الكلمات في حلقي.
قلت له: "وكأن صحتكم لا تعني شيئًا؟ وكأن أجسادكم أقلّ قيمة من حجارة؟"
لكنه أعاد الفكرة ذاتها: "المهم الجامع يكون نظيف."
نظرت حولي، خيام تُحاصرها القمامة، أطفال وسطها، ومرض يتسلل بصمت.
ثم عدت إليه قائلة:"الأجدر أن يُنقّى المكان الذي تعيشون فيه، أن تُرفع القمامة عن أبوابكم، عن هوائكم، عن طفولتكم… لا أن تبقى هنا وتُرفع فقط عن واجهة يمرّ بها الناس."
سألته أخيرًا: "أترضى أن تبقى القمامة أمام خيمتك؟"
لم يُجب… ومضى.
وبقي السؤال معلقًا في داخلي: من الذي أقنع هذا الطفل أن صحته يمكن أن تُؤجَّل، وأن مرضه احتمالٌ عادي، مقابل صورة نظيفة أمام مسجد؟
من الذي جعل القمامة أمام الخيام أمرًا مألوفًا، لا يستحق الغضب، بينما تتحوّل أمام الجدران إلى قضية؟
في تلك اللحظة، لم تكن القمامة هي الأكثر قسوة، بل الاعتياد عليها حين تمسّ الإنسان، والرفض لها فقط حين تقترب من الحجر.
