أربعون يوماً من الصمود تكسر أربعين عاماً من الحصار والقيود !

تابعنا على:   15:39 2026-04-09

د. مهدي مبارك عبد الله

أمد/ في صميم أدبيات العلاقات الدولية لا يعتبر الحصار مجرد إجراء اقتصادي عابر بل هو أداة مركبة من أدوات القوة تستخدم لإخضاع الدول وإعادة تشكيل سلوكها السياسي والاستراتيجي دون الانزلاق المباشر إلى حرب شاملة والحصار في جوهره هو محاولة خنق الدولة المستهدفة عبر عزلها عن النظام المالي العالمي وحرمانها من مواردها الحيوية وتعطيل قدرتها على التبادل التجاري وصولا إلى إنهاك المجتمع وإثارة التململ الداخلي بما يفضي في النهاية إلى تغيير السياسات أو حتى تغيير النظام

 

الجمهورية الإسلامية الإيرانية شهدت هذا النمط من الضغوط منذ عام 1979 حين بدأت العقوبات الأميركية بتجميد الأصول عقب أزمة السفارة قبل أن تتطور تدريجيا إلى منظومة حصار شبه شاملة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي وقد بلغت ذروتها مع سياسة الضغط الأقصى التي أعيد تفعيلها بقوة منذ عام 2018 لتطال النفط والمصارف والنقل والتكنولوجيا وتتحول إلى أطول تجربة حصار اقتصادي مستمر في العصر الحديث

 

خلال هذه العقود الأربعة لم يكن الحصار مجرد ضغط اقتصادي بل مشروعا سياسيا متكاملا هدفه كسر إرادة الدولة الإيرانية وإعادة إدماجها في منظومة الهيمنة الغربية بشروطها غير أن طهران وعلى الرغم من الكلفة الباهظة التي انعكست تضخما وانخفاضا في العملة وتراجعا في مستويات المعيشة استطاعت تطوير نموذج خاص للتكيف قائم على تنويع الشركاء والانخراط في تكتلات دولية صاعدة والالتفاف على القيود المالية عبر آليات بديلة إلى جانب الحفاظ على قدراتها الاستراتيجية في مجالات الطاقة والتسليح والبرنامج النووي ومع مرور الزمن لم يعد الحصار مجرد أداة ضغط بل تحول إلى بيئة صراع دائمة أعادت تشكيل بنية الاقتصاد والسياسة في إيران ورسخت لديها عقلية الصمود طويل الأمد

 

في هذا السياق التاريخي الممتد جاءت الحرب الأخيرة التي استمرت أربعين يوما لتشكل لحظة مفصلية بدت وكأنها تختصر عقودا من الصراع المكبوت حيث تحولت المواجهة العسكرية المباشرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى إلى اختبار حاسم لجدوى الحصار نفسه فما عجزت عنه العقوبات خلال أربعين عاما حاولت القوة العسكرية تحقيقه خلال أسابيع عبر حملة مكثفة استهدفت البنية التحتية الحساسة والقدرات الصاروخية ومحاولة زعزعة الاستقرار الداخلي تمهيدا لإحداث تغيير سياسي جذري

 

واقعيا كشف سريعا مسار الأحداث عن مفارقة جوهرية في طبيعة الحروب غير المتكافئة إذ دخلت القوة العظمى المعركة وهي تسعى لتحقيق مكاسب سياسية محددة بينما خاض الطرف الآخر المواجهة بوصفها معركة وجود وهذا الاختلاف في الدافع انعكس على مجريات القتال حيث لم تنجح الضربات الجوية ولا العمليات المركزة في تفكيك الجبهة الداخلية الإيرانية بل على العكس أسهمت في تعزيز التماسك الوطني ورفعت منسوب الالتفاف الشعبي حول الدولة ومؤسساتها

 

مع زيادة تعثر تحقيق الأهداف المعلنة بدأ ميزان المبادرة يميل تدريجيا ليس بالضرورة عبر تفوق عسكري تقليدي بل عبر القدرة على الصمود وإطالة أمد المواجهة ورفع كلفتها الاستراتيجية وفي لحظة بدت حاسمة حين رفضت عدة مقترحات لوقف القتال لم يكن ذلك تعبيرا عن تعنت سياسي بقدر ما كان رفضا لصيغة تسوية تعيد إنتاج الحصار بأدوات مختلفة لقد كان جوهر الموقف الإيراني يقوم على أن إنهاء الحرب لا ينبغي أن يكون امتدادا للاستسلام بل مدخلا لتغيير قواعد الاشتباك نفسها

 

بعد انقضاء الأيام الأربعين أخذت ملامح التحول تتضح إذ وجدت واشنطن نفسها أمام واقع ميداني لم تستطع من خلاله فرض شروطها لتقبل في نهاية المطاف بالجلوس إلى طاولة المفاوضات وفق إطار طرح من الجانب الإيراني ونقل عبر وساطات إقليمية هذا التحول لم يكن مجرد خطوة تكتيكية بل اعترافا ضمنيا بأن أدوات الضغط السابقة سواء الاقتصادية أو العسكرية لم تعد كافية لإخضاع طهران أو فرض إرادة أحادية عليها

 

اللافت ان بنود الطرح الإيراني جاءت لتعكس هذا التحول في ميزان القوة حيث تركزت على وقف الاعتداءات ورفع العقوبات وتعويض الأضرار وإنهاء حالة العداء المفتوح وهي بنود في جوهرها تعني تفكيك البنية الأساسية للحصار الذي استمر لعقود ونقل الصراع من مرحلة الإكراه إلى مرحلة التفاوض المتكافئ أما البعد الأكثر حساسية فقد تمثل في إعادة تعريف واقع الممرات المائية الاستراتيجية بما يكرس دورا إقليميا مباشرا لإيران في إدارة أحد أهم شرايين الطاقة العالمية وهو تحول يحمل دلالات تتجاوز نتائجه الاقتصادية إلى أبعاد سيادية واستراتيجية عميقة

 

في الداخل الأميركي انعكس هذا المسار على شكل جدل سياسي حاد حيث بدت نتائج المواجهة وكأنها تقوض السردية التقليدية للقوة الأميركية القادرة على فرض إرادتها فيما ظهرت مؤشرات على تراجع القدرة على خوض صراعات طويلة دون كلفة سياسية وأخلاقية متصاعدة أما على مستوى الحلفاء فقد أثار هذا التحول تساؤلات حول جدوى الاعتماد على المظلة الأمنية التقليدية في ظل عجزها عن تحقيق الأهداف المعلنة أو حماية التوازنات القائمة

 

إقليميا أفضت الحرب إلى إعادة تشكيل مشهد الردع إذ لم يعد الصراع محكوما بمنطق الضربات المحدودة أو الحروب بالوكالة بل دخل مرحلة جديدة تتداخل فيها القدرات الصاروخية والحسابات البحرية والتوازنات الشعبية وفي هذا الإطار بدا أن وقف القتال لا يعني تجميد الصراع بل فتح المجال أمام إعادة ترتيب الأوراق سواء على مستوى القوى الإقليمية أو على مستوى التحالفات الدولية

 

النتيجة الأبرز لهذه المواجهة لا تكمن فقط في مخرجاتها المباشرة بل في دلالتها التاريخية حيث يمكن القول إن ( أربعين يوما من الحرب أعادت صياغة إرث أربعين عاما من الحصار ) ونقلت إيران من موقع الدولة المحاصرة إلى موقع الفاعل الذي يفرض شروطه في معادلة إقليمية معقدة ولم يعد الحديث يدور حول قدرة هذه الدولة على الصمود فحسب بل حول دورها كرقم صعب في أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالأمن والطاقة والاستقرار في الشرق الأوسط

 

ختاما : يبدو ان العالم وهو يتجه إلى مرحلة ما بعد هذه الحرب تتبلور حقيقة استراتيجية مفادها أن موازين القوة لم تعد تقاس فقط بالتفوق العسكري المباشر بل بقدرة الدول على تحمل الضغوط وإدارة الصراعات الطويلة وتحويل التحديات إلى فرص لإعادة التموضع وفي هذا الإطار تبدو التجربة الإيرانية نموذجا معقدا لصراع الإرادات حيث لم يؤد ( الحصار إلى الانهيار ولم تؤد الحرب إلى الإخضاع ) بل أفضى تداخلهما إلى واقع جديد يعيد رسم حدود القوة والنفوذ في المنطقة بعيدا عن مفاهيم الغطرسة والسيطرة الذي فرضتها القوى الاستعمارية التقليدية

اخر الأخبار